أين محل العتب على قول الشيخ عادل الكلباني في الغناء؟
أين محل العتب على قول الشيخ عادل الكلباني في الغناء؟

خرج قبل حوالي أسبوع الشيخ عادل الكلباني في برنامج على قناة “إس بي سي” السعودية، ليدلي بدلوه في موضوع الغناء والموسيقى، فكان مجمل ما قاله هو أن الموسيقى والغناء مباحان في الإسلام مع سرده ما يعتبرها الشيخ أدلة على ذلك.

لن أناقش هنا مدى قوة الأدلة التي ذكرها الكلباني على جواز الغناء والموسيقى، ولا قوة أدلة من حرَّمَ الغناء (وهم الأكثرية، مع أن العبرة بقوة الأدلة وليس بأكثرية من يتبنى رأيا اجتهاديا محددا)، فالاختلاف في مسائل اجتهادية لا حرج فيه، طالما كان اجتهادا معتبرا يستند لأدلة شرعية معتبرة (من الأدلة المعتبرة أحاديث صحيحة وآيات قرآنية، ظنية أو قطعية الدلالة، فيُرَجَّح النص القطعي الدلالة على النص الظني، والقطعي الثبوت على ظني الثبوت، الخ).

لكن من الإنصاف أيضا أن يُذكر أن الشيخ استثنى من الغناء الذي أحَلَّه، الغناء الذي يصاحبه مجون واختلاط وتَعَرِّي و”جلسات حمراء” (كما قال الكلباني) أو فيه كلام فاحش أو إثارة للشهوة … لكن حديثه عن هذا الاستثناء لم يأخذ من الحوار الذي دام حوالي 45 دقيقة إلا بضعة دقائق (ربما لا يتجاوز خمسة دقائق).

وهنا مربط الفرس، فهل في العالم الإسلامي عموما، وفي السعودية خصوصا (منذ تبني ابن سلمان لما سمَّاه سياسة الترفيه)، الطاغي والسائد إلا هذا النوع من الغناء والموسيقى؟ أليست سياسات الترفيه المُتَّبعة في كل البلدان الإسلامية بدون استثناء، والتي لحقت بها السعودية مؤخرا، هي تقليد أعمى لطريقة وفلسفة الغرب في الترفيه، فتجد حفلات موسيقية وسهرات غنائية، يختلط فيها الرجال بالنساء، ويرقص فيها النساء مع الرجال، وتظهر فيها المغنيات متبرجات بل وأحيانا شبه عاريات، ويختلط المغنيون بالمغنيات والعازفون على الآلات الموسيقية بالعازفات، ويصاحب تلك المهرجانات الموسيقية ما يصاحبها من تناول خمور ومخدرات الخ؟؟

ليس من الفقه والعلم الإفتاء في مسألة دون مراعاة سياقها في الواقع المُعاش

فالمشكلة الرئيسية فيما يسمى الفن عموما (وكذلك في مجال واسع من المهرجانات والمسابقات الرياضة)، ليس في “الفن” أو “الغناء” (أو الرياضة) بحد ذاتها، هكذا مجردة، ولكن فيما يصاحبها ويحيط بها وفيما يرتبط بها ارتباطا مباشرا. ومن ثم من السطحية والتضليل الخطير والتفريط في أمانة العِلْم أن يتطرق فقيه أو شيخ الى مسألةٍ دون ربطها بالواقع المُعاش.

فحين يُسأل الفقيه أو الشيخ في مسألة، أيًّا كانت المسألة، فعليه أن يفطن للغرض من السؤال، وأن يربط السؤال بالواقع المُعاش وما يترتب على فتواه في هذا الواقع، لكيلا يُستدرج لإصدار فتوى يستعملها أصحاب الضلال والفسق والظلم لتسويغ ما يمارسونه من فساد. فانظر مثلا لفطنة وفقه ابن عباس رضي الله عنه، فكما روى القرطبي في تفسيره للآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}: [جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَلِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا تَوْبَةٌ؟ قَالَ ابن عباس: لَا، إِلَّا النَّارَ. فَلَمَّا ذَهَبَ السائل، قَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ: أَهَكَذَا كُنْتَ تُفْتِينَا؟ كُنْتَ تُفْتِينَا أَنَّ لِمَنْ قَتَلَ تَوْبَةً مَقْبُولَةً. فقَالَ ابن عباس: إِنِّي لَأَحْسَبُهُ رَجُلًا مُغْضَبًا، يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا. فَبَعَثُوا فِي إِثْرِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ] (أنتهى الاقتباس). فلفطنة ابن عباس أدرك من ملامح السائل أنه عازم على قتل مسلم، فجاء يسأل هل سيغفر الله له جريمة القتل إن قام بها. فلو ذُكِرَ الحكم الشرعي مجردا من الواقع، أي دون الأخذ باعتبار حال السائل وغرضه، لكان سيكون القول بقبول الله توبة القاتل بمثابة رخصة لارتكاب الجريمة. … للذكر هناك نصوص تشير الى أن الله يقبل التوبة عن أي ذنب، لمن شاء، كقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا، يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا، إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (سورة الفرقان)؛ وقوله سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم} (الزمر).

وانظر مثلا الى الخليفة عمر بن الخطاب الذي أمر الصحابيَّ حذيفة بن اليمان بتطليق يهودية تزوجها في العراق، رغم أن الزواج من نساء أهل الكتاب مباح شرعا. فلما كتب حذيفة لعمر: إن كان حرامًا خليتُ سبيلها (أي إن كان زواجه من اليهودية حراما طلقها)، رد عليه عمر بن الخطاب قائلا: [إني لا أزعم أنها حرام، ولكن أخاف أن تعاطوا المومسات منهن (لأن اليهوديات في تلك المناطق كان مشهور تعاطيهن للعهر)] (سنن الإمام سعيد بن منصور).‏ وقد طلق حذيفة اليهودية نزولا عند أمر عمر. فالمسلمون كانوا يتزوجون اليهوديات في مدينة الرسول، لكن عمر بن الخطاب لما أمر حذيفة تطليق اليهودية التي تزوجها في العراق، لم يستحضر حال يهوديات المدينة، ولكن راعى واقع اليهوديات في تلك المنطقة من العراق وما كان مشهور عنهن من بغاء، فبنى عليه أمره للصحابي حذيفة. فالفقيه عليه أن ينظر لحال الواقع الذي يريد أن ينزل الحكم الشرعي عليه.

ففتوى الشيخ عادل الكلباني بخصوص الغناء، يمكن تَقَبُّلها ومناقشتها علميا لو كنا نعيش في بلد وزمن يُمارس فيهما الفن بضوابط الشريعة الإسلامية. لكن حين تكون تلك الفتوى في زمن وبلد يطغى فيه تنظيم مهرجانات للغناء يسودها المجون والاختلاط والتبرج والعُري والكلام الفاحش والكلام والحركات والرقص المثيرون للشهوة الخ، فلا يمكن أن تُفهم تلك الفتوى إلا بمثابة تسويغ لذلك المجون وترخيصه، لا يمكن فهمها إلا أنها دعم لسياسات الترفيه التي فرضها ابن سلمان إرضاء للغرب، ولا يغير في هذا الموقف والفهم ذلك الاستثناء العارض الذي سرده الشيخ والذي بسببه يصبح الغناء محرما. فاستثناء الشيخ للغناء الذي يصحبه مجون هو بمثابة ذر الرماد على العيون، فغالبية المشاهدين لن يلتفتوا لذلك الاستثناء الذي ذكره الشيخ بشكل موجز، ناهيك عن الحكام الذين يستعملون تلك الفتاوى لإضفاء شرعية على سياساتهم. فالذي سيقتبس من قول الشيخ وسيتم تداوله هو حديثه المطول وأدلته على جواز الغناء والموسيقى عموما، دون الالتفات للاستثناء والتخصيص.

ففي هذا الزمن، حين يُسأل العالم أو الشيخ أو الفقيه عن الفن عموما (ومن بينه الغناء)، فلا يجوز له البتة استحضار كيفية ومحيط وأحوال الغناء في عهد الرسول، ولكن عليه أن يستحضر الحفلات والمهرجانات التي تُقام اليوم في ربوع البلدان الإسلامية والعالم، فساعتها لن يسعه إلا تحريم الفن عموما والغناء خصوصا، ثم يستثني – بإيجاز – من هذا التحريم الحالة الافتراضية المتمثلة في غناء منضبط بما يحدده الشرع، حالة افتراضية لأنه يكاد ينعدم وجودها في عصرنا الحالي. لكن الشيخ الكلباني قام بالعكس تماما!

من الأمثلة الأخرى على الفتاوى التضليلية الخارجة عن سياق الواقع المُعاش وجوب طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه

ومن التضليل الخطير أيضا أن يتناول المشايخ والعلماء الأحاديث والآيات القرآنية التي تحث على طاعة الحكام وعدم جواز الخروج عليهم، والتي تتداولها كل وسائل الإعلام في البلدان الإسلامية (خصوصا تلك التابعة للدولة). حتى أن أحد شيوخ السعودية خرج ليفتي بعدم جواز الخروج على الحاكم ولا نصحه في العلن، حتى لو كان الحاكم يزني على المباشر وفي العلن، حتى لو كان يفعل فعل قوم لوط.

ففي زمن ومكان لا يحكم الحكام بما أنزل الله، بل ويحاربون الإسلام، وجب على العلماء والمشايخ الحديث عن حرمة الركون للظالمين والطغاة، ووجوب قلعهم وتغيير الأنظمة التي لا تحكم بالإسلام، وليس تسويغها بأحاديث وآيات عن طاعة الحكام. فتلك النصوص الشرعية المتعلقة بالطاعة تتحدث عن الحاكم الذي يحكم بما أنزل الله، ووصل للحكم باختيار المسلمين له، بل حتى في هذه الحال جعل الله للطاعة شروطا وحدودا، فليست هناك طاعة مطلقة حتى لأعدل وأتقى الحكام وأشدهم التزاما بتطبيق الإسلام.

 
وصل التبرير لحفلات الترفيه في المملكة إلى الافتراء على النبي..شاهد ماذا يقول الكلباني

وصل التبرير لحفلات الترفيه في المملكة إلى الافتراء على النبي.. السعودي عادل الكلباني يقول بأن "النبي محمد" صل الله عليه وأله وسلم كان يستقبل المغنيات و يطلب منهم الغناء و يعدل لهم كلمات الأغنية وفوق ذلك كان يضرب على العود ويعلّم الجواري.. يبدو أن الكلباني خلط بين نبينا محمد بن عبدالله والموسيقار محمد عبد الوهاب. #السعودية #هيئة_الأمر_بالترفيه_والنهي_عن_المعروف

Posted by ‎الواقع السعودي 2‎ on Monday, November 18, 2019

د. هشام البواب..  (محلل سياسي مستقل)

أقلام حرة

المصدر: هشام البواب

السبت 23 تشرين الثاني , 2019 06:47
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
الخطيب يعلن بعد لقائه الحريري عن اعتذاره قبول الترشيح لرئاسة الحكومة اللبنانية
عالم الأحياء الإيراني المفرج عنه: أبلغت الأميركيين حاجة مرضى بلادي لي فردّوا: فليموتوا!
مصاب بنيران الضابط السعودي في القاعدة الأمريكية بفلوريدا يروي تفاصيل “20 دقيقة” من الرعب.. وصف كل ما حدث بدقة
الشيخ المعتقل عوض القرني يدخل في “انتكاسة صحية” بعد جرعة الدواء المسموم.. حالته خطيرة وهذه التفاصيل
ابن سلمان يبيع مستقبل البلاد.. ناشط و محامي سعودي يكشف أمراً خطيراً عن بيع ارامكو وكارثة اقتصادية بانتظار السعودية هذه تفاصيلها.
المعارض السعودي "محمد العتيبي" لشقيق أمير عتيبة بعد اعتذاره من ولي العهد: ذوقوا كأس المُر من يد "الكديشة" ابن سلمان.
مستشار ابن زايد: تم اصدار التعليمات لقناة الجزيرة لتكون "عاقلة و منضبطة".. ود. الرشيد ترد: الأصوات السعودية المعارضة لا تحتاجها.
القضاء العراقي يطلق سراح 2626 متظاهراً وعلاوي يطالب رئيس الجمهورية بـ"إنقاذ" البلاد.
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2019 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي