علي عبدالله صالح من المهد إلى اللحد.. القصة الكاملة للرقصة الأخيرة لرجل اعتاد الإنقلاب على شركائه في سبيل الحكم.
علي عبدالله صالح من المهد إلى اللحد.. القصة الكاملة للرقصة الأخيرة لرجل اعتاد الإنقلاب على شركائه في سبيل الحكم.

تمر الذكرى الثانية لأحداث ديسمبر التي انتهت بمقتل علي عبدالله صالح، غير أن معرفة ما حدث لن تكون كافية لفهم القضية كاملة دون معرفة لماذا حدث ما حدث، وما الذي جعل السعودية تضع صالح وهو رجلها التاريخي ضمن أهدافها في الحرب على اليمن بداية الأمر، ومعرفة كل ذلك بات ضرورياً خصوصاً أنه إلى الآن لم تخرج رواية متكاملة عن أحداث ديسمبر تتمتع بالترابط الزمني والتماسك وهو ما جعل الفضاء مفتوحاً لعشرات الروايات خصوصاً من قبل أنصار صالح الذين انتقلوا عقب مقتله إلى معسكر التحالف السعودي الإماراتي.

لماذا وضع صالح في قائمة “عاصفة الحزم”؟

في ليل 26 مارس 2015م فوجئ علي عبدالله صالح بإعلان التحالف السعودي للحرب على اليمن ووضعه في قائمة أهداف ما يسمى “عاصفة الحزم” هذه المفاجئة نابعة من أن صالحاً توقع أنه قد تسوء علاقته بالسعودية لمستويات متقدمة ولكن ليس إلى درجة أن يكون هدفاً في حرب شاملة.

أما السعودية فيبدو أنها لم تكن متوقعة أن تحظى بكل التأييد الغربي وتتمكن من تشكيل تحالف واسع الأمر الذي جعلها تطمع بالقضاء على خصمها “أنصار الله” وكذلك فضلت أن تغير رجالها في اليمن خصوصاً أن صالح كان قد استهلك بالإضافة إلى أنه كان شخصية جدلية متناقضة وشعرت أنه قد خانها لاعتقادها بضلوعه في اسقاط نظام هادي على يد أنصار الله وبالتالي رأت أنه لابد من معاقبته كونها كانت تعتقد أن الحملة العسكرية بحجمها الواسع لن يكون من الصعب عليها القضاء على أنصار الله وصالح معا وانشاء منظومة جديدة تحكم اليمن لحسابها، والكلام هنا ليس مجرد تحليل بل استنتاج قائم على ما توفر لـ”صحيفة المراسل” من وثائق تضمنت مراسلات بين صالح والسعودية والإمارات في الأيام الأولى لبدء الحرب على اليمن.

شعر صالح أنه لا قبل لأي أطراف في اليمن بكبح جماح الهجمة العسكرية بقيادة السعودية نظراً لحجمها الكبير والاجماع الغربي على دعمها، وهنا تكشف مصادر بالغة الثقة وكانت شاهدة على الحدث أن صالح أرسل موفداً إلى صعدة مقرب من الطرفين المؤتمر وأنصار الله للقاء قائد أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي يطلب منه أن يعلن انصياعه لشروط التحالف وقرار مجلس الأمن باعتبار أنه لا يمكن الانتصار على التحالف وهو ما اعتبره السيد الحوثي طلباً من صالح بإعلان الاستسلام وهذا لم يكن وارداً لديه لكنه وضع صالح في زاوية ضيقة وقال للموقد أن يبلغ صالح أن يقوم هو بإعلان ذلك إن أراد، ولذلك لم يكن لدى صالح سوى الظهور بمظهر التحدي في خطابه الأول الذي تأخر لأيام بعد إعلان الحرب ليؤكد عزمه على المواجهة رغم أنه قدم رسائل ضمنية للتحالف بإمكانية التوصل إلى تسوية.

كانت السعودية تأخذ على صالح مأخذ ضلوعه في إسقاط صنعاء بيد أنصار الله وظل هو يبعث الرسالة تلو الأخرى بعضها كانت علنية يؤكد فيها أنه لم يساهم في ذلك وأن سقوط هادي ونظامه كان ناتج عن ضعفهم وأن السعودية أخطأت بالاعتماد على هادي ورجاله.

اذن وكما توضح الوثائق التي تنشر لأول مرة فإن موقف صالح الرافض للحرب على اليمن لم يكن مبدئيا بل كان خيار الضرورة، فالسعودية رفضت عروضه لها في الأيام الأولى للحرب وأصرت على معاقبته فيما الإمارات وان كانت قد ردت عليه ردا ايجابيا مع بعض التحفظات حول دوره شخصيا وتفضيلها لنجله أحمد إلا أنها ممثلة بمحمد بن زايد لم تكن قد استحكمت على القرار السعودي وكانت بحاجة لإقناع السعودية برؤيتها لكن الأخيرة كانت ما تزال تعتقد بقدرتها على حسم المعركة والقضاء على أنصار الله وصالح معا، قبل أن تتغير هذه المواقف مع ظهور ملامحق اخفاق سعودي في حسم الحرب وبدء ملامح غرقها في مستنقع اليمن وتبحث عن أي أمل يمكنها من تغيير مسار الحرب لمصلحتها ولو عن طريق تغيير موقفها من صالح والقبول به.

منذ تسليمه السلطة لنائبه وحتى إعلان الحرب على اليمن ظل صالح يعمل بكل الوسائل على استعادة السلطة التي فقدها ويمكن القول من خلال مراسلاته مع السعوديين والإماراتيين أن عودته للسلطة ظلت الشغل الشاغل له وبموجب ذلك أدار تحركاته بهدف واحد هو الإثبات للسعودية أنها أخطأت حين جردته من السلطة بالمبادرة الخليجية وبنفس الوقت كان حريص جداً على عدم مساعدة هادي في المواجهة مع أنصار الله وفي نفس الوقت حريص أكثر على عدم إغضاب السعودية بل إقناعها بأنه الخيار الوحيد لتحقيق مصلحتها في اليمن والقادر على كبح جماح أنصار الله، فكيف أدار صالح تحركاته المعقدة لتحقيق كل ذلك؟

صالح يطلب دعماً مالياً ويعرض خدمات نجل شقيقه

قبل الحرب على اليمن وبعد تسليمه السلطة بموجب المبادرة الخليجية كان اتصالات صالح مع الإمارات متصاعدة وكان الأول يشعر بتأثير الاتهامات الموجهة له سواء بعرقلة السلطة الجديدة أو التحالف مع الحوثيين وكان حريصاً على توضيح وجهة نظره للإماراتيين وعرض خدماته عليهم.

في الوثيقة التي هي عبارة عن رسالة خطية من صالح للإمارات تعود لما قبل الحرب على اليمن قدم فيها عدة نقاط أولها تأكيده أنه قد سلم السلطة طواعية وبعد ذلك ينتقل لتبرير حقه في التواجد بالواجهة من خلال قوله إن حزب المؤتمر هو حزب الوسطية والأكثر حضوراً على مستوى الشارع.

ولكي يؤكد أنه ليس هناك خيار لدى الدول الخليجية سوى الاعتماد عليه من خلال وصمه للأطراف اليمنية الأخرى بالتطرف والإرهاب..الخ فهو يقول إنه “يخاف الشعب اليمني من تطرف حزب الاخوان المسلمين كقوة إرهابية أخرجت من عبائتها القاعدة والجهاديين والسلفيين أيضاً” ويضيف أنه “يخاف الشعب اليمني من الحوثيين الإماميين الذين يعتقدون أن الولاية في الحكم في سلالة النبي وبني هاشم”.

وبعد أن برر صالح سبب أنه الخيار الوحيد في اليمن بعدما قدم تلك التوصيفات ضد أبرز قوتين منافستين للمؤتمر وهما الإصلاح وأنصار الله قدم مطالبه المالية لوسائل إعلامه قائلاً “نتطلع منكم دعم المؤتمر الشعبي العام فلدينا ثلاث قنوات فضائية هي اليمن اليوم وآزال والعقيق وتكلفة التشغيل 12 مليون دولار+ مليون دولار للإذاعة والصحف”.

ولكي يوضح خطورة عدم دعم وسائل إعلام المؤتمر يذكر صالح في رسالته أن “الإصلاح يستلم دعماً من قطر والمؤسسات الخيرية السعودية وتركيا وأما الحوثيون فهم مدعومون من إيران وقطر وحزب الله أما الحراكيين (الحراك الجنوبي) في النظام الحالي في صنعاء فتدعمهم إيران والمخابرات البريطانية “.

ويشير صالح إلى أن النظام الحالي (نظام هادي في ذلك الحين) يقع تحت سيطرة حزب الإصلاح وأنه قد قطع الاعتمادات المالية التي كانت مخصصة له ولحراسته وأكثر من 150 شخصية قيادية وعسكرية وقبلية والتي كانت قيمتها 2 مليون دولار شهرياً.

ثم يقدم صالح حزب المؤتمر وكأنه دولة بحد ذاته وأحيانا كمخبر لدولة أجنبية حيث ختم رسالته بالقول “نحن على استعداد للتعاون بين المؤتمر الشعبي العام والأجهزة الأمنية في الإمارات وتزويدهم بالمعلومات اللازمة لمكافحة الإرهاب والتطرف وسيكون من جانبنا هو عمار محمد (نجل شقيقه) وإذا ترغبون أن يكون مستشار فليس عندنا أي مانع”.

الجواد الرابح: صالح يحاول إقناع السعودية بأنه القادر على مقارعة أنصار الله

من خلال الوثائق ظل صالح متمسك بتحميل هادي والإصلاح مسؤولية توسع أنصار الله وبالتالي يؤكد للسعودية مجدداً أنها أخطأت بإزاحته عن السلطة كما إنه يؤكد أيضاً قدرته على مقارعة أنصار الله ولكن عندما يتم الاعتماد عليه هو والاعتراف بأحقيته بالسلطة كي لا تذهب جهوده، التي يفترض أن يبذلها خدمة للسعودية ضد أنصار الله، لصالح نظام هادي وتعزيز مكانته.

وحين شهد العام 2014م تحولات كبرى زاد منسوب القلق لدى صالح من تأخر السعودية بالاتصال به وقلقه من أن تكون قد غضبت عليه وبالتالي تزايدت عدد الرسائل التي وجهها للسعودية، وبينها الرسالة التي حصلت عليها “صحيفة المراسل” عقب دخول اللجان الشعبية إلى محافظة عمران وسقوط اللواء 310 في يوليو 2014م حيث وجه صالح مذكرة للسعودية يوضح موقفه مما جرى خصوصاً أن وسائل الإعلام كانت تتهمه بمساعدة أنصار الله وهو ما حرص على نفيه للسعوديين بل وتقديم خطة شاملة لمواجهة أنصار الله ولكن كالعادة أن يكون بعد إقرار السعودية بخطأ اعتمادها على هادي وتجاهلها له.

أحداث عمران: دعوا الحوثيين يتصارعون مع الاخوان ولنعمل على إضعافهما

في كل مراسلات صالح قبل الحرب على اليمن ظل ثابتاً على رؤيته بتجنب إغضاب السعودية وكذلك إقناعها بالعودة للرهان عليه، فعقب دخول اللجان الشعبية إلى محافظة عمران بعث صالح رسالتين، إلى الأمير محمد بن نايف الذي كان وزير للداخلية آنذاك، تضمنت الأولى ما وصفه صالح بالتقرير التفصليلي ” حول موقفي للمملكة العربية السعودية وما اكنه لها من حب واخلاص ممثلة في خادم الحرمين والشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود حفظة الله وقيادته الرشيدة” وتكون التقرير من خمس نقاط.

في النقطة الأولى يكرر صالح بشكل غير مباشر تأكيده للسعودية بخطئها بإبعاده والرهان على هادي والإصلاح حيث يقول “موضوع محافظة عمران وسقوطها وما جرى فيها يتحمل سقوطها رئيس الجمهورية ووزير دفاعة وغالبية قيادات الاخوان المسلمين الذين تخاذلوا واعتبروه شيئاً يخص قبيلة حاشد ولو انهم صادقين كان 25% من الذين حضروا مراسم دفن الجنائزي للشهيد القشيبي في ميدان السبعين كانت واجهت الحوثيين وغالبيتهم في عمران ولكن ماكانت لديهم جدية في موجهة الحوثي”.

كان صالح في ذلك الوقت قد دعا لمصالحة وطنية ولكنه في رسالته لابن نايف يوضح أن الدعوة كانت بهدف جمع القوى اليمنية تحت قيادة ضد أنصار الله فهو يقول في النقطة الثانية من تقريره للسعودية “: القرار الذي اتخذته حول المصالحة الوطنية هو في خدمة السعودية واليمن وتحديد قوة الحوثي امام كل القوى وجمهرتها على الحوثي لان بعض القوى الملتقية مع الحوثي والمتعاطفة معه عندما يكون اجماع للمصالحة الوطنية، اعرف ان الحوثي لدية مشروع وغير قابل في الدخول للمصالحة الوطنية من خلال رفضه للمصالحة الوطنية نستطيع توحيد مل القوى ونقرعه في زاوية الرفض لكافة القوى السياسية وسوف تكون هذه القوى بالكاملة ضده”.

وبعد ذلك يحاول صالح إخافة السعودية من حزب الإصلاح بعد الحوثيين ليقول إنه الوحيد القادر على ضمان مصالح السعودية ويدعوها للموافقة على خطته لاضعافهما حيث تضمنت النقطة الثالثة من رسالته قوله إنه “: من خلال تجربتي وقيادتي لهذه البلد فترة طويلة اعرف ان الحوثيين والاخوان المسلمين هم آفة واحدة على الوطن العربي في ومقدمتها المملكة العربية السعودية وعلية قمنا بهذا الدور ويجب الاستمرار فيه حتى اضعاف القوتين وقتل رجالها الأقوياء من خلال المواجهة الميدانية بينهم وفي الاخير يتم تفتيتهم وتقسيمهم إلى شلل مثلما عملنا مع القوى القومية كالبعث والناصريين وتقسيمهم إلى جماعات ضعيفة غير ضارة”.

وفيما يجدد صالح التأكيد على مسؤولية هادي ووزير دفاعه في وصول الحوثيين إلى محافظة عمران في النقطة الرابعة، ينتقل للخطة الشاملة التي أراد أن تقرها السعودية لينفذها بهدف تفكيك الإصلاح والحوثيين معا حيث نصت النقطة الخامسة على ” ننصح بتجنيد قوى من كافة الفئات واستقطابها وتنظيمها في صنعاء- صعدة – عمران – حجة – الجوف – مأرب – ذمار – ريمة – إب كخطوة ومرحلة أولى لتنظيم هذه القوى من الشرائح التالية مشائخ وعقال ووجهاء القبائل والعلماء والمثقفين والشباب وأبناء القبائل ذوي الحاجة والعسكريين المتقاعدين والعاملين وإطلاق عليهم تسمية (المعتدلين المنقذين لهذا البلاد) واعتماد كافة الامكانيات لهم وتجهيزهم كقوى ضد العناصر المتطرفة سوى الحوثيين او الاخوان المسلمين وهذا يحتاج إلى وضع الخطط والبرامج السريعة حتى يتم انقاذ اليمن والمملكة من المخططات الرامية بهما إلى الهاوية وتواصل اضعاف القوى التي اسلفنا ذكرها كما ننصح بزج كثير من العناصر الموثوق بها في صفوف الحوثي حتى نستطيع ايجاد الخلاف والتناحر داخل هذه القوى المؤدية للانشقاق الداخلية فيها والتي تؤدي إلى اضعافها”.

وقبيل 20 يوماً فقط من الحرب على اليمن كان قلق صالح من عدم تجاوب السعودية معه وإصرارها على أن يكون دوره داعماً لهادي وليس بديلاً عنه فقد أرسل رسالة أخرى إلى محمد بن نايف وقد أصبح وليا لولي العهد حصلت عليها “صحيفة المراسل” يقدم فيها حزب المؤتمر كشريك للسعودية ويتفاعل مع مخاوفها آنذاك من إمكانية استهدافها بعد سيطرة اللجان الشعبية على معظم اليمن، وبعد المقدمة يقول صالح في رسالته “لأننا في المؤتمر الشعبي العام نتمسك بالحرص على دورنا ومسؤوليتا من أمن واستقرار اليمن وعلى الحفاظ على علاقات اليمن بأشقائها في مجلس التعاون لدول الخليج العربية وفي مقدمتها المملكة العربية سعودية ورفض وجود أي تهديد لأشقته من أراضي الجمهورية اليمنية. وانطلاقاً من ذلك فأننا في المؤتمر الشعبي العام كتنظيم سياسي عميق الجذور في المجتمع اليمني وقادر على التحرك السياسي السلمي لتغيير مسار الاحداث سواء الآن او بعد انتهاء المرحلة الانتقالية فأننا نتطلع لدور السعودية في بلورة مبادرة للحل السياسي للازمة السياسية في اطار المبادرة الخليجية مع توفير الضمانات الكفيلة لعلاقة حسن الجوار مع دول مجلس التعاون الخليجي”

ثم يختم صالح رسالته بالقول “اننا اخي ولي ولي العهد نعول كثيراً عليكم وعلى مبادرة المملكة لإنقاذ اليمن من الانزلاق نحو العنف وستجدوننا في المؤتمر سنداً وعونا وشريكا لكم وهذا ما نأمل بلورته مع مبعوثنا اليكم مؤكداً لكم صدق توجهنا وجديتنا بالعمل معاً على ما يعزز علاقة بلدينا ويحمي مصالحهما المشتركة”.

بعد ذلك تنطلق الحرب على اليمن وتضع السعودية صالح في قائمة أهدافها ما يؤكد أن كل محاولاته السابقة لإرضائها قد فشلت نظراً لرفض السعودية آنذاك إعادته إلى السلطة كما كان يطمح. أما ما حدث بعد ذلك فسيتم التعرف عليه في السطور التالية الموثقة لما بعد إعلان الحرب على اليمن.

منذ اللحظة الأولى لإعلان الحرب على اليمن كانت رؤية الإمارات مختلفة تماماً عن السعودية فالأولى كان لديها موقف مسبق من حزب الإصلاح الذي سيطر على نظام هادي وهي تعتبره جماعة إرهابية كفرع لتنظيم الاخوان بالإضافة إلى أنها كانت على علاقة قوية بعلي عبدالله صالح فيما السعودية كانت تعتبر صالحاً خائناً كما ورد في إحدى ردودها على رسالته وتفضل إقصائه وإيجاد نظام جديد مرهون بالكامل لقرارها وبالتالي لم يكن لديها مشكلة مع حزب الإصلاح.

وفقاً لهذا التناقض بين أبرز قوتين في التحالف جاءت تناقضات صالح العلنية والسرية وبناء على الردود التي يتلقاها على رسائله للسعودية والإمارات كانت تأتي تصريحاته العلنية في الخطابات والمقابلات فتارة يتبرأ من المشهد العسكري ويقول إنه لا علاقة له وأن أنصار الله يقودون المعركة وتارة يوحي بأنه وقواته من يتصدرون المعركة الميدانية والصاروخية. غير أنه لم يستوعب ولم يتقبل أن يكون هو بتاريخه مع السعودية هدفاً لحرب الأخيرة على اليمن وظلت تحركاته سواء المتحدية او المستسلمة تدور في فلك سعيه لإخراج نفسه من قائمة أهداف “عاصفة الحزم” وكان رفضه للحرب عليه وليس على اليمن كما سيتضح من خلال الوثائق والأحداث.

صالح يتوسل الإمارات: أقنعوا السعودية باستعدادي لكل ما تطلبه

تأكيداً على أن ما سبق لم يكن مجرد تحليلات واستنتاجات، فقد حصلت “صحيفة المراسل” على مجموعة من المراسلات بين صالح والإمارات قبل وبعد الحرب على اليمن وكان معظمها موجها من قبل صالح إلى الإماراتيين يبدو فيها خوفه واضحاً من وقوعه ضمن الأهداف السعودية في الحرب.

في أول وثيقة تنشر لأول مرة هي عبارة عن رسالة وجهها علي عبدالله صالح إلى ولي عهد الإمارات محمد بن زايد يطلب فيها التوسط لدى السعودية والتأكيد لها أنه لم ولن يتحالف مع الحوثيين، حيث يقول مخاطباً ابن زايد “إننا نأمل من سموكم الكريم التدخل لدى الأشقاء في المملكة العربية السعودية وإقناعهم بأننا لم ولن نتحالف مع الحوثيين أو إيران أو قطر”. ثم راح يذكّر الإماراتيين “فنحن خضنا مع الحوثيين ستة حروب وأنتم على اطلاع تام بذلك”.

كما أراد صالح في رسالته الأولى للإمارات أن يؤكد أن ما وصل إليه اليمن هو نتاج تحالف بين من يصفهم بالحوثيين والاخوان المسلمين “حزب الإصلاح” في عام 2011م ضد حكمه قائلاً “وفي العام 2011 تحالف الحوثيين والاخوان المسلمين وكذا أحزاب اللقاء المشترك وقوى أخرى ضدنا”.

ثم راح صالح في رسالته يؤكد للإماراتيين كي ينقلوا للسعوديين أن خروج اليمن من أيديهم هو نتيجة استبعاده من الحكم والاعتماد على عبده ربه منصور هادي وفقاً للمبادرة الخليجية، غير أن الأهم في بقية ما ورد في رسالته هو ما جاء في الخاتمة التي أكد فيها الاستعداد للاستماع لما يريده السعوديين والإماراتيين.

عشية الحرب: صالح يرمي بآخر أوراقه اليائسة

قبل أيام من بدء الحرب على اليمن كان بالإمكان تسرب أنباء حول نية السعودية شنها وبالنسبة لصالح كان يمكن أن يعرف صالح بموعد الحرب من الإمارات التي بدورها كانت ضالعة في خطواته في اللحظات الأخيرة وآنذاك لم يكن صالح قد توصل إلى تسوية مع السعودية وبالتالي زاد منسوب القلق لديه ولذلك أوفد عشية الحرب بتنسيق من قبل الإمارات نجله أحمد إلى الرياض.

وفي اليوم التالي للحرب سربت قناة العربية السعودية خبر زيارة أحمد علي عبدالله صالح للرياض بناء على طلبه والتقى هناك محمد بن سلمان الذي كان ما يزال وزيرا للدفاع، حيث أشارت القناة أن أحمد صالح حمل رسالة من والده تضمنت عدة مطالب مقابل عروض يقدمها للسعودية وجاءت على النحو التالي:

اولا: رفع العقوبات المفروضة على والده من قبل مجلس الامن الدولي والتي شملت منعه من السفر وجمدت اصوله المالية، ومنعت الشركات الامريكية من التعامل معه.

ثانيا: تأكيد الحصانة عليه وعلى والده التي اكتسبها من المبادرة الخليجية القاضية بخروجه من السلطة.

ثالثا: وقف الحملات الاعلامية التي تستهدفه ووالده.

كما عرض نجل صالح العروض التي قدمها والده تضمنت مجموعة من تنازلات مقابل تنفيذ جميع المطالب السابقة أهمها:

اولا: الانقلاب على الحوثيين وتحريك خمسة آلاف من القوات الخاصة الموالين للرئيس صالح لمقاتلتهم، وكذلك دفع مئة الف جندي من وحدات الحرس الجمهوري لمحاربة ميليشيات الحوثي وطردهم.

ثانيا: وقوف الرئيس اليمني السابق وحزبه وقواته في خندق الدول الخليجية في اطار تسوية سياسية تعتمد الحل السياسي.

وأشارت القناة السعودية إلى ان محمد بن سلمان رفض هذه المطالب والعروض جاء حاسما، والتأكيد على ان السعودية ملتزمة بمبادرة السلام الخليجية وشرعية الرئيس هادي وعودته الى صنعاء محذرا في الوقت نفسه من الاقتراب من عدن، معتبرا ذلك خطا احمر.

السعودية: صالح خاننا ولا يمكن القبول به بعد اليوم

في بداية الحرب كانت السعودية تعتقد أن نجاحها في تشكيل تحالف دولي عريض يغنيها عن صالح وخدماته بل والقضاء عليه مع أنصار الله في أسابيع، فيما كان صالح يرسل الرسائل الخطية والمبعوثين والوسطاء بينهم ممن تواجدوا بالرياض وأيدوا الحرب أهمهم عبدالكريم الإرياني (لذلك عبر صالح عن رفضه لتخوين الإرياني فيما كان يخون هادي والآخرين رغم وقوفهم جميعاً في خندق الحرب على اليمن) ليتوسطوا لدى السعودية بالإضافة لطلبه من الإمارات التوسط لديها كما ورد في الوثيقة السابقة.

ثقة السعودية بقدرتها على حسم الحرب جعل ردها قاسياً على صالح حيث تضمن أحد ردودها عليه كلمات قاسية تضمنت وصفه بالخائن والناكر للجميل وتذكيره بأن السعودية انقذته عندما تم استهدافه في دار الرئاسة في يونيو 2011م وقامت بمعالجته وكذلك ما فعلته معه منذ قامت هي بتصعيده لرئاسة اليمن، وبالتالي رفضت السعودية التعاون مع صالح وأبقته في قائمة أهدافها، حتى أن تقارير عدة أفادت بأن صالح أرسل بعد أسابيع من بدء الحرب نجله أحمد مرة أخرى إلى الرياض وأن الأخير تعرض لإهانات متعددة بينها تفتيشه بعد نزوله من الطائرة وصولا إلى توجيه ابن سلمان كلمات قاسية له ولوالده وإنهاء المقابلة معه بعد دقائق قليلة من وصوله ما جعله يعود إلى أبوظبي خالي الوفاض.

أمام رفض السعودية لم يجد صالح في تلك المرحلة سوى استغلال هذا الرفض السعودي بإعلانه التصدي للعدوان وبالتالي استعادته شعبيته التي تراجعت بعد 2011م باعتبار أن هذا سيكون مفيداً له وكذلك جزء من الصورة التي يريد أن تصل للسعودية لتعرف أنها ما تزال بحاجة إليه.

في تلك المرحلة كان الكثير لا يفهمون سر تناقض صالح في خطاباته ومقابلاته التلفزيونية ولماذا يقول في مقابلة إن أنصار الله هم الذين يقودون المعركة وفي أخرى يلمح إلى أنه وقواته من يتصدون للعدوان، وفي خطاب يقول إنه لديه سيطرة على قوات كبيرة وأخر يقول فيه إن أنصار الله هم المتحكمين بالجيش والقوات التي تقاتل التحالف، لكن من خلال الوثائق يتضح أن صالح كان يطلق تلك المواقف بناء على ردود الفعل تجاه محاولاته مع السعودية لإخراجه من دائرة الاستهداف فتارة يشعرها أنه قوي وأخرى أنه لا يقاتلها ولا يقف وراء إطلاق الصواريخ عليها.

بدا أن صالح قد راهن على الوقت لإقناع السعودية بأهميته إلى جانبها واستمرار الوساطات، وبالتالي ركز على دور الإمارات لحمايته من تداعيات العاصفة، والغريب أنه جعل من حزب المؤتمر دولة قادرة على التحالف مع الدول وهو ما يظهر في الوثيقة التي حصلت عليها “صحيفة المراسل” وتضمنت مشروعاً متكاملاً قدمه صالح للإمارات لبناء ما وصفه بتحالف استراتيجي بين المؤتمر والإمارات وبالتالي لم يتخلى صالح عن حلم الزعامة والسلطة كما يظهر في بنود المشروع الذي قدمه للإمارات ونظراً لأهمية مضامينها نورد بنود المشروع كاملة كما جاء في الوثيقة على النحو التالي:

المبادئ العامة:

1-تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة مع المؤتمر الشعبي العام بإنشاء تحالف استراتيجي شامل بينهما يتم ترجمته في خطط تفصيلية في مختلف الجوانب يتم عليها بين الطرفين وبما يكفل انجاح جهودهما المشتركة في مواجهة المشاريع والكيانات والمخططات الداخلية والخارجية التي تستهدف امن اليمن واستقراره ووحدته وفصلة عن محيطة الاقليمي والعربي والتصدي لقوى التطرف الديني والظلال ولإرهاب ومنع هيمنته على القرار السياسي في اليمن.

2-تتبنى دولة الإمارات العربية المتحدة والمؤتمر الشعبي العام، العمل على احلال السلام ووقف اطلاق النار والدفع بجميع الاطراف إلى العملية السياسية وفق رؤية يتفق عليها تحقق الاهداف والغايات المنشورة وفي مقدمتها حقن الدماء والحفاظ على المقدرات والالتزام لتنفيذ استحقاق المبادرة الخليجية واليتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني المتوافق عليها.

3-تقوم دولة الإمارات العربية المتحدة وفق لهذا التحالف بتقديم الدعم السياسي والمالي والفني والمعنوي والمساندة اللازمة للمؤتمر الشعبي العام وحلفاءه من اجل القيام بالمهام المتفق عليها وممارسة انشطتها السياسية والإعلامية والاجتماعية وغيرها من خلال المرحلة الراهنة وخوض استحقاق المرحلة القادمة وبما يكفل له الحفاظ على دور ريادي وفاعل حاليا ومستقبلاً.

4-تتبني الإمارات العربية المتحدة لما لها من ثقل سياسي سياسات فاعلة على الصعيد الاقليمي والدولي لدعم استقرار اليمن ووحدته وحشد جميع الاطراف والمنظمات الدولية للإسهام في اعادة اعمار اليمن ودعم التنمية وبناء القدرات البشرية بما فيها اتخاذ اجراءات عاجلة للحد من اتساع رقعة الفقر في اوساط المجتمع اليمني.

5-تقوم الإمارات العربية المتحدة بتقديم الضمانات اللازمة لضمان حصانة وسلامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس المؤتمر الشعبي العام وافراد اسرته ومعاونيه وحرمة من ممتلكاتهم وفقاً للمبادرة الخليجية والياتها التنفيذية والعمل على الغاء قرارات العقوبة السياسية الصادرة من قبل مجلس الأمن الدولي بحقة وحق نجلة وبما يضمن لهم حرية السفر والتنقل داخليا وخارجياً.

6-يعمل المؤتمر على استنهاض جهود كل قياداته وهيئاته واعضائه وحلفاءه وانصاره والمنظمات التابعة له لتسخير كل امكاناته المتاحة والبطرق السياسية والاجتماعية السلمية لانجاح اهداف هذا التحالف.

7-يلتزم المؤتمر الشعبي العام لتبني سياسيات وطنية واقليمية ودولية تقوم على مبادئ العلاقات الدولية والدفاع عن مصالح اليمن وجيرانه في منطقة الخليج العربي والتصدي لجميع اشكال المؤامرات الهادفة إلى زعزعة امن المنطقة والخليج على وجه الخصوص

8-يعمل المؤتمر الشعبي العام على تعزيز مبدأ القيادة الجماعية بصورة اشمل خلال هذه الفترة وفقاً لأنظمته ولوائحه الداخلية بما يكفل الاستفادة القصوى من جهود جميع قياداته في الداخل والخارج وتكامل جهودهم وطاقاتهم في سبيل تحقيق الاهداف والمهام المطلوبة.

9-يقوم المؤتمر الشعبي العام بعد توقف الحرب واستقرار الاوضاع على ممارسة العمل السياسي والتنظيمي بطريقة مؤسسية واكثر فاعلية من خلال العمل على عقد المؤتمر العام لانتخاب قياداته عملاً بأحكام ومضامين الانظمة واللوائح الداخلية للتنظيم بما يكفل تطويره وتعزيز دورة لإداء مهامه المقبلة بصورة اكثر فعالية وديناميكية لمواكبة المتغيرات على الساحتين الوطنية والاقليمية.

10-يتم التشاور المستمر بين الطرفين في اطار التحالف القائم بينهما ازاء كافة القضايا والتطورات التي تهم الطرفين وتخدم جهودهم المشتركة والاستقرار والامن في اليمن والمنطقة والاهداف المشتركة على المستوى القومي.

11-يقوم الطرفان في اطار التحالف بينهما على تحديد مهام الراهنة والمقبلة والمهام التي ستناط بكل منهما بمواجهة التحديات الحالية والاسهم في إعادة بناء الدولة اليمنية المدنية ومؤسساتها وفقاً للأسس التي ستنتجها معالجة وتسوية الازمة الراهنة لإحلال السلام في اليمن وبناء مستقبلة.

12-يشكل الطرفان فريقاً مشتركاً منهما يسمى لجنة التواصل لإعداد الخطط والبرامج التفصيلية ومتابعة تنفيذها وما تحقق من اهداف التحالف وتقيم مراحل الانجاز وتقديم المعلومات والمقترحات ازاء اي مستجدات او قضايا تهم الطرفين .

تطمينات صالح: الحرس الجمهوري لا يقاتل ولا علاقة لنا بالصواريخ

وثيقة أخرى حصلت عليها وهي عبارة عن رد من صالح على رسالة إماراتية طالبت صالح بتوضيح ثلاث نقاط الأولى تتعلق بدور الحرس الجمهوري في الحرب وخصوصاً المشاركة في الهجمات على السعودية، والثانية تتعلق بمحاولة الإمارات فهم الوضع في الحديدة التي كانت إلى وقت قريب على رأس أهدافها والثالثة تتعلق بما إذا كان صالح يشاطر الإمارات نفس الموقف من حزب الإصلاح (الاخوان المسلمين) فجاء رد صالح على النحو التالي:

التحية والسلام والتقدير لسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان

مع تمنياتنا بالتوفيق والنجاح

بالنسبة للحرس الجمهوري:

1-هو  محيد منذ بداية الحرب وإذا كان هناك افراد مشاركون في الجبهات فهم مشاركين بصفات شخصية

2-لازالت قوات التحالف تقوم بقصف وتدمير معسكرات الحرس الجمهوري الموجود في العاصمة صنعاء وبعض المناطق بيمنا وهي لا تشارك في القتال.

3-بالنسبة للصواريخ الباليستية فكما تعرفون ان جزء كبيراً منها قد اطلقت ودمرت بالغارات الجوية والبقية تحت سيطرة الحوثيين ولا ندري شيئاً عن تحركاتها وأماكن تواجدها.

بالنسبة لمحافظة الحديدة

لدينا محافظ جيد.. ويعمل باستقلالية وبدعم من لدينا لا يتبع أي طرف.

وفيما يتعلق بالاخوان المسلمين: موقفنا اضح، نحن نشاطركم نفس الموقف

ماذا اشترطت الإمارات لضمان سلامة صالح وكيف قبلت به السعودية؟

من بين الوثائق وثيقة إماراتية تحت عنوان “سري للغاية” تضمنت ردوداً على رسائل صالح ويبدو أن بينها رسائل أخرى غير السابقة ولم يتسنى الحصول عليها، غير أن ما ورد في هذه الوثيقة يمكن تلخيص هدفه في سعي الإمارات وضع أسس لصالح وخطوات ليقوم بها ليتسنى إقناع السعودية بالرضا عنه.

وتضمنت الوثيقة الإماراتية رداً على صالح العديد من النقاط ومن أهمها أنها تطالب صالح بـ” اهمية تبني مفهوم مشترك لطبيعة الصراع القائم في اليمن والحرب الداخلية والخارجية في كونها صراع ارادات سياسية بعناوين مختلفة لمشاريع داخلية وإقليمية سيكون من الصعب تمكن طرف من كسر ارادة الطرف الآخر بشكل مطلق على المستويين المحلي والخارجي اعتماداً على استخدام القوة كوسيلة وحيدة لتحقيق ذلك تتفق على احترام الإرادة السياسية لكافة الاطراف ولكن بما لا يتجاوز الخطوط الحمراء حيث نختلف حول مفهومكم للصراع باعتباره نتيجة انقلاب الحوثيين وأعوانهم على الشرعية والذين استندوا على مبدأ القوة بالإضافة إلى تعطيلهم للمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والذي ترتب علية سدود القرار الدولي 2216 وضرورة الالتزام به”.

كما ركز الرد الإماراتي على ضرورة إزالة مخاوف السعودية ووقف استهدافها ففي ذلك الحين كانت الأخيرة ما تزال تعتقد أن قوات صالح فاعلة على الأرض إلى جانب اللجان الشعبية وجزء من الهجمات على جيزان ونجران وعسير ولذلك أكدت أن الحلول ” لابد ان تكفل القدر المناسب من مصالح مختلف الاطراف وتزيل المخاوف لدى جميع الاطراف المحلية والاقليمية وبالأخص الاخوة في دول مجلس تعاون الخليج العربي”.

كما تطالب الإمارات صالح ” أن اول خطوة في سبيل تحقيق ذلك هي اظهار حسن النوايا باحترام مرجعية المبادرة الخليجية التي وقعتم عليها، وتطبيق مخرجات مؤتمر الحوار الوطني والامتثال لقرارات مجلس الامن ذات الصلة ونؤكد في المقابل اننا سنعمل على الدفع بعجلة العملية السياسية للدوران بما يضمن المصالح المشتركة والخاصة بكافة الأطراف”.

كما أشارت الرسالة الإماراتية إلى أن ” وجود المؤتمر الشعبي العام بموقفة السياسي امر هام يجب استثماره كون هذا الوجود القوي على الساحة والموقف السياسي المعتدل يؤهل لان يلعب دور فاعل في التأثير على انصار الله للمشاركة الايجابية في الحل السياسي والضغط عليهم لتقديم التنازل المطلوب لإنجاح هذا المسار”.

ومن أهم نقاط الرد الإماراتي على صالح هو المطالبة بفك ارتباط المؤتمر بمن تسميهم الحوثيين وتحت قيادة جديدة حيث تقول الوثيقة إن “هناك اهمية بالغة لفاعلية حزب المؤتمر واضطلاعه بدور محوري قائم يحقق امن واستقرار اليمن وتنظر للحزب بعناية كأحد المكونات السياسية اليمنية الرئيسية وأحد اطراف الحل السياسي في الداخل ولكن بقيادة جديدة يمكن العمل معها لوضع اسس وقواعد مشتركة للتفاهم وبناء لعلاقات استراتيجية مشتركة بعد فك ارتباطه بالحوثيين وسحب اي دعم عنهم”.

وحول القيادة الجديدة التي تحدثت عنها الإمارات أكدت مصادر قيادية بحزب المؤتمر في صنعاء لـ”صحيفة المراسل” إن الإمارات وبعد فشل محاولاتها بإقناع السعودية بأهمية صالح رأت أن يتراجع الأخير عن الصدارة ويتم انتخاب نجله أحمد لقيادة المؤتمر بدلاً عنه، وبالتالي تلبية طلب صالح بإخراجه من قائمة أهداف “عاصمة الحزم” ولكن طلبه بالعودة للسلطة لم يلبى ولكن وقع الاختيار على نجله أحمد.

وفيما كان صالح قد عرض التحالف الاستراتيجي مع الإمارات فإن الأخيرة طالبت في ردها بـ” تحديد مهام والتزامات المؤتمر الشعبي العام وفقاً للمبادئ والأسس الحاكمة لعملية التعاون والتحالف المشتركة بين الإمارات والمؤتمر الشعبي العام”.

كما تضمنت وثيقة الرد الإماراتي أن الإمارات بعد أن ينفذ المؤتمر المطلوب منه ستقوم بضمان حصانة علي عبدالله صالح وأفراد أسرته والحفاظ على ممتلكاتهم.

مرحلة التحولات: شبح الهزيمة يجبر السعودية على القبول بعلي عبدالله صالح

في الشهور الأولى من الحرب على اليمن كانت السعودية ما تزال غير راغبة في علي عبدالله صالح ومصرة على التخلص منه فيما كان الأخير يواصل اتصالاته مع الإماراتيين والتنسيق معهم حتى فيما يخص أمنه الشخصي، وتقول مصادر مطلعة لـ”صحيفة المراسل” إن صالح اتخذ من السفارة الإماراتية بصنعاء مقراً لاتصالاته حتى مع الجانب الأمريكي وقد وجدت العديد من الوثائق التي تؤكد استخدامه لإمكانات السفارة بعلم الإماراتيين. وبحسب المصادر ذاتها طلبت الإمارات من صالح أن يظهر حسن نواياه للسعودية مؤكدة له أنه بمرور الوقت ستتمكن من إقناع السعوديين بضرورة التعاون معه وما عليه إلا أن يواصل تنفيذ ما اتفق عليه معهم وخصوصا في مشروع التحالف الذي عرضه بين المؤتمر والإمارات وركزت الأخيرة على التعاون الاستخباراتي.

على المستوى الإعلامي كان صالح قد دشن حملته ضد شريكه الاضطراري “أنصار الله” وبدا مبكرا أن ثمة توجه مخطط له إعلاميا للنيل من أنصار الله وتشويه سمعتهم وإطلاق الإشاعات حول عمل اللجان الثورية واللجان الأمنية بالإضافة إلى تكريس فكرة عدم قدرة الأنصار على إدارة الدولة…الخ ومن هنا بدأ الأنصار يدركون أن صالح يدور في رأسه الكثير من الأمور خصوصاً أن تاريخه مليء بالتناقضات والانقلابات على الشركاء علاوة على الحروب التي خاضها ضد صعدة وضد الجنوب.

أما صالح فقد كان يعتقد أن الأنصار يفكرون بطريقته وبالتالي ظن أن الحروب الست وتصفية السيد حسين بدر الدين الحوثي لن يتجاوزها الأنصار رغم أن المؤشرات كانت تقول عكس ذلك، لكن هذا ما حدث وبدأت موجة الحملات الإعلامية المؤتمرية ضد الأنصار وتركزت في بدايتها في مواقع التواصل الاجتماعي فيما كان الأنصار يظهرون حرصاً كبيراً على عدم فتح جبهات أخرى لانشغالهم الكلي بجبهات القتال بمواجهة قوى التحالف السعودي الإماراتي.

وبمرور الأيام كان التحالف السعودي الإماراتي قد سيطر على المحافظات الجنوبية بعدما اقتحم عدن ودارت أحاديث في ذلك الوقت حول تنسيق إماراتي مع صالح لإسقاط عدن بسحب العناصر المحسوبة عليه من الحرس الجمهوري فيما كان مقاتلو أنصار الله لم يمض عليهم وقت طويل منذ دخولهم عدن ولم يكونوا قد تعرفوا على جغرافيتها بشكل دقيق، لكن ذلك ظل مجرد أحاديث خصوصاً في ظل تحفظ أنصار الله عن كشف ما حدث وأسباب سقوط المحافظات الجنوبية وذلك ربما لخوفهم من أن الكشف عن معلومات قد تؤدي لانقسامات ستؤثر على الجبهات الأخرى.

لكن القيادي فيما يسمى “المقاومة الشعبية” التي قاتلت إلى جانب التحالف في عدن “عادل الحسني” كشف، في مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية بعد أن غادر عدن إثر سجنه من قبل الإماراتيين لفترة طويلة، أنهم طوال الأشهر الثلاثة التي سبقت سقوط عدن لم يتمكنوا من السيطرة على موقع واحد من مواقع قوات صنعاء وفجأة في يوليو سقطت عدن بيد الإماراتيين، موضحاً أنه علم بعد ذلك أن سقوط عدن جاء نتيجة انسحاب وحدات من الحرس الجمهوري المحسوبة على صالح بالتنسيق مع الإماراتيين.

التحالف في نهم: صالح يلجأ إلى السفارة الروسية بصنعاء

بسقوط الجنوب في يد التحالف كان صالح قد قدم أهم أوراق اعتماده من قبل السعوديين لكن وإضافة لسقوط الجنوب ثمة حدث آخر جعل السعودية تظن مجدداً أنها ليست بحاجة إليه عندما تراءت لها إمكانية سقوط صنعاء، والتي ستكون الضربة القاصمة لقوات صنعاء وبالتالي يصدق اعتقادها بقدرتها على القضاء على أنصار الله قوات صالح معاً.

ذلك الحدث هو الذي شهدته إحدى جبهات القتال في فبراير 2016م عندما حدثت خيانات وشراء ولاءات من قبل التحالف لمشايخ قبليين في الجوف فتحوا مناطقهم التي كان متفق مع صنعاء على تحييدها وفجأة وجدت قوات التحالف نفسها في مفرق الجوف ومن ثم في جبهة نهم بمحافظة صنعاء وكان هذا الحدث الأخير قد تصادف مع الذكرى الرابعة لثورة 11 فبراير الشبابية ويومها كان الأنصار قد دعوا لمسيرة إحياء لهذه المناسبة وهو ما اتخذه صالح وإعلامه ذريعة لمهاجمة الأنصار باعتبار أن الثورة كانت ضد حكم صالح، لكن في جانب آخر كان ثم شيء مهم يحدث.

كان صالح مهووساً بالسلطة ولكن أكثر من ذلك مهموماً بسلامته الشخصية فحين شاع خبر وصول قوات التحالف إلى جبهة نهم تراءت له “نهاية القذافي” وفقد حنكته السياسية والعسكرية عندما ظن أن وصول التحالف إلى نهم يعني سقوط صنعاء فما كان منه إلا أن توجه إلى السفارة الروسية للاحتماء بها والطلب من روسيا ضمان حمايته ونقله إلى خارج البلاد.

وتؤكد مصادر عالية الثقة لـ”صحيفة المراسل” أن صالح الصماد الذي كان ما يزال رئيسا للمكتب السياسي لأنصار الله قبل تشكيل المجلس الأعلى، توجه مباشرة إلى السفارة الروسية والتقى علي عبدالله صالح هناك ورمى “الشال” الخاص به بين أيدي علي صالح طالباً منه عدم المضي فيما يفكر به لأن هروبه سيسبب مشكلة كبيرة من الناحية المعنوية فيما كان الأنصار يرون بثقة مطلقة أنه يمكن احتواء تقدم التحالف في نهم وبذلك أقنع صالح الصماد علي عبدالله صالح بالتراجع عن خطوته تلك.

استمرار التحولات: صالح يفقد السيطرة على “الحرس”

عقب دخول قوات التحالف السعودي الإماراتي إلى نهم وفتح جبهة هناك كان صالح وفقاً لتنسيق مع الإمارات، يعمل على منع القوات التي يعتقد أنها محسوبة عليه من التوجه إلى الجبهات لمساندة اللجان الشعبية وخصوصاً القوات الخاصة وقوات الحرس الجمهوري.

وكما تروي مصادر مطلعة سمع صالح أن ما يقارب كتيبتين من الحرس الجمهوري توجهتا إلى جبهة نهم لمساندة اللجان الشعبية فغضب غضباً شديداً فاتصل بقائد إحدى الكتيبتين اللتين توجتها إلى نهم وقال له:”من أمرك بالتحرك وممن استأذنت ؟” فأجابه قائد الكتيبة: “احنا سرنا ندافع عن الوطن والدفاع عن الوطن لا يحتاج لاستئذان يافندم”. هنا شعر صالح أنه بدأ يفقد السيطرة على القوات التي كان يعتبرها محسوبة عليه وتحت إمرته.

كان صالح يدرك أنه من السهل على الإمارات والسعودية معرفة تحرك قوات من الحرس الجمهوري إلى جبهة نهم وهذا يخالف ما اتفق عليه مع الإماراتيين ولذلك وحين ظهر في مقابلة مع قناة الميادين، وعلى عكس ما كان يسوق له من قبل عن دوره في الحرب، قال صالح في تلك المقابلة إن أنصار الله هم من يتولون إدارة الجبهات ووزارة الدفاع والجيش وأنه لا يشارك في هذا القرار إلا بدعوته للتطوع للقتال ضد التحالف، فكان بذلك يريد أن يوصل رسالة مشفرة للإمارات بأنه لم يكن وراء تحرك قوات من الحرس الجمهوري إلى جبهة نهم.

وما يؤكد أن صالح كان يعمل بشكل مستمر على إثناء القوات المحسوبة عليه من التوجه للجبهات لقتال التحالف، هو ما تحدث به العميد حسن الملصي قبل استشهاده والذي كان أحد أبرز قادة القوات الخاصة قبل أن يصبح قائداً لجبهة نجران بعد اقتناعه بمشروع أنصار الله، والذي كشف في تسجيلات مصورة قصة انطلاقه للجبهة وكيف أن أحمد علي عبدالله صالح اتصل به من الإمارات وقال له “أنت اخي..لا تفعل مشاكل وارجع للبيت” وهو ما رفضه الملصي الذي كان له لقاء صاخب مع صالح نفسه ففي ذلك اللقاء باشر صالح بالسؤال: من أمرك يا حسن تسير تقاتل؟فرد عليه الملصي: أمرني القرآن الكريم، فأجابه صالح قائلاً: قد بردقوك؟ وهو ما رد عليه الملصي بالقول: أيوه بردقوني بكتاب الله.

ورغم أن صالح فقد السيطرة على كثير من الوحدات العسكرية المحسوبة عليه إلا أنه وإلى جانب من احتفظ بها من قوات كان يعد لتشكيل قوات إضافية وهو ما سيجري التعرف عليه في السطور القادمة، لكن ما يجب الإشارة إليه ولو بشكل مختصر أن صالح كان يمضي نحو الحصول على الرضا السعودي وإقناع السعوديين بأهميته ولذلك أصر في الذكرى الأولى للحرب على اليمن أن تكون المسيرة الخاصة بإحياء الذكرى مسيرتين وليس واحدة كما كان يطرح أنصار الله ولذلك كانت المسيرة التي دعا إليها المؤتمر في الصباح بميدان السبعين لأن صالح أراد أن ترى السعودية حجم نفوذه الشعبي، فيما كانت مسيرة أنصار الله والقوى المتحالفة معها في العصر بساحات الكلية الحربية، وفي العالم التالي أراد صالح أن يكرر نفس الأمر ولكن الأنصار رفضوا ذلك فكانت مسيرة موحدة في ميدان السبعين.

الطريق إلى أزمة أغسطس: صالح يضيق دائرة الثقة وتنامي نفوذ طارق

مع احياء صنعاء للذكرى الثانية للحرب تصاعدت التقارير الدولية التي تتحدث عن غرق السعودية في مستنقع اليمن على نحو أكبر من السابق وتصدق النبوءات القليلة التي توقعت ذلك، أما السعودية في ذلك الحين فقد بدا لها أن الحرب التي ظنت حسمها في أسابيع قد تحولت إلى كابوس وبالتالي استغلت الإمارات هذا الوضع وأقنعتها بأن  المخرج الوحيد من شبح الهزيمة هو بقبولها علي عبدالله صالح وهذا ما حدث كما ستؤكد الوقائع والمعلومات والأحداث.

هذه الرؤية اقتنع بها الكثير داخل وخارج اليمن، حتى أنه في وقت لاحق كتب الكاتب العربي عبدالباري عطوان مقالاً قال فيه “مُنذ ما يَقرُب من الثّلاثة أعوام، ودَولة الإمارات العربيّة المتحدة تُحاول إقناع حَليفتها السعوديّة، بأنّ أقصرَ الطّرق لكَسب الحَرب في اليمن تَتمثّل في استقطاب الرئيس علي عبد الله صالح، وفَكِّ تَحالُفِه مع جماعة “أنصار الله” الحوثيّة، ولكن القِيادة السعوديّة رَفضت بعِنادٍ التّجاوب مع كُل المُحاولات هذهِ، لأنّها تَرفض الغُفران، ونِسيان انقلابِه، أي صالح، عليها وهي التي أنقذت حياته، والوَقوف في الخندق الآخر، المُواجه، وعندما اقتنعت، لانعدام الخِيارات الأُخرى، واليأس من الحَسم العَسكريّ، وباتت مُستعدّةً لاحتضانِه حَليفًا”.

كان صالح أيضاً يعاني من القلق والمؤامرات ولذلك أصبحت دائرة ثقته بالآخرين تضيق حتى أن معلومات حصلت عليها “صحيفة المراسل” أنه عثر في منزله بعد مقتلة على دفتر مجلد يحتوي على قوائم تحت عنواني “أصدقاء واعداء” وضع فيها القادة العسكريين والمؤتمريين ممن كانوا تابعين له وعلى سبيل المثال وضع عبدربه منصور هادي في قائمة الأعداء لكن الأغرب أنه وضع الشيخ يحيى الراعي في ذات القائمة وغيره كثير.

وبناء على ذلك وحين تلقى صالح خبر قبول السعودية له قرر العمل بشكل سرّي مع دائرة ضيقة من القادة العسكريين مثل مهدي مقولة والقادة الحزبيين مثل عارف الزوكا واستبعد الكثير ممن لم يبلغهم بتوجهه الجديد فيما كان نجل شقيقه طارق محمد عبدالله صالح قد تنامى نفوذه في المؤتمر حتى أنه بات يمتلك القرار فيه، ومن هنا بدأ الاعداد الأمني والعسكري لمرحلة جديدة، شهدت في بداياتها انشاء معسكرات في سنحان بينها ما أطلق عليه “معسكر الشهيد الملصي” لتصدق نبوءة الملصي نفسه قبل استشهاده وهو يتكلم عن انتهازية آل صالح بأنهم سيستثمرون دماؤهم ويطلقوا أسماءهم على معسكرات.

على وقع ذلك بدأت التحركات في مختلف الاتجاهات وأصبحت الحملة الإعلامية من قبل وسائل إعلام صالح وناشطيه ضد أنصار الله أكثر وضوحاً فيما الخطاب الإعلامي لصالح أكثر انسجاماً مع القنوات الفضائية السعودية والإماراتية بل ان قنوات مثل العربية والحدث وسكاي نيوز بدأت تغطي تحركات المؤتمر وتتضامن في خطابها مع وزراء صالح في حكومة صنعاء في وقت كانت هذه القنوات قد بدأت تهاجم هادي وحكومته. وتزامناً مع ذلك بدأ المؤتمر يتحرك في المحافظات والمديريات مدشناً بشكل علني حملة حزبية للانضمام لحزب المؤتمر وكان إعلام الحزب يواكب يومياً حجم الاقبال على قطع بطائق عضوية وكان يبالغ كثير في تقدير أعداد المنضمين للحزب.

وبغطاء الحراك الحزبي للمؤتمر بدأ طارق ينشئ المعسكرات ويستقطب المقالتين والقناصين وهذا الأمر لا يحتاج للاطالة خصوصاً أن وسائل الإعلام قد نشرت الوثائق التي كانت تظهر عمليات الصرف المالي من قبل صالح للاستقطاب وانشاء المعسكرات وأسماء العناصر التي تم استقطابها….الخ.

ووردت معلومات مؤكدة أن طارق صالح كان يشرف على عمليات نقل الأسلحة التي زودته بها الإمارات من الضالع إلى صنعاء ومختلف المحافظات التي شهدت الأحداث بعد ذلك، وهنا لا يعني أن سلطات صنعاء وأنصار الله كانت غائبة تماماً عما يحدث فعلى سبيل المثال كانت هناك عمليات رصد أمني لتحركات صالح عبر طارق وأعوانه وتحركات أخرى من قبل الأنصار بينها اللقاءات مع المشايخ والأعلان لجعلهم شاهدين على التحركات المشبوهة للمؤتمر بقيادة صالح ولذلك كان اللقاء الموسع “لقاء العاشر من رمضان” في يونيو 2017 وبعد ذلك لقاء الحكماء والعقلاء الذي ألقى فيه زعيم أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي خطابه الشهير الذي كشف فيه لأول مرة عن التحركات المشبوهة لصالح إعلاميا وسياسياً وعسكرياً في محاولة لوضع قبائل اليمن في الصورة خصوصاً أنه وكما سبق ذكره كان صالح قد ضيق دائرة الموثوق بهم بالنسبة له فلم يخبر بتحركه إلا القليل من المشايخ المقربين والقادة العسكريين والمؤتمريين الذين يثق بهم شخصيا.

في ذلك الحين كان صالح قد قرر لأول مرة الاحتفال بالذكرى الـ34 لتأسيس حزب المؤتمر وكان ذلك مثير للشكوك خصوصاً أنه لم يسبق الاحتفال بهذه المناسبة كما أنها لم تكن مثلاً الذكرى الأربعين أو الخمسين لتكون مميزة وتبرر الدعوة لمسيرة كبرى في ميدان السبعين التي دعا إليها في 24 أغسطس 2017م ومن هنا ارتفع منسوب التوتر بين المؤتمر وأنصار الله لمستويات غير مسبوقة.

قبيل أحداث ديسمبر، وجهت صحيفة الشرق الأوسط السعودية سؤالاً لعبدربه منصور هادي في حال اندلعت مواجهات بين الحوثيين وقوات صالح من سينتصر؟ أجاب هادي بكل ثقة قائلاً “الحوثيين” وحين سألته الصحيفة لماذا يرى ذلك؟ قال هادي: الحوثيين أصبحوا الآن أقوى بكثير من صالح. لعل هذه الإجابة كانت الحدس الصحيح الوحيد الذي يحسب لهادي منذ بدء الحرب إلى اليوم، أما علي عبدالله صالح فكان ما يزال متعلقاً بهواياته التي تولدت لديه بسبب بقائه في السلطة لـ33 عاماً فكان ما يزال يرى أنه “الراقص الوحيد على رؤوس الثعابين” وكان أيضاً يفتخر عندما يتم وصفه بالمراوغ، دون أن يعرف، وهو الذي ظل يبرر انقلاباته على حلفائه بأنهم كروت استخدمها وانتهت، أنه أصبح الكرت الأخير للتحالف السعودي الإماراتي، بل والكرت الأخير الخاسر.

وقبيل 24 أغسطس 2017م قال محمد بن سلمان في مقابلة تلفزيونية إنه واثق تماماً أن علي عبدالله صالح لو يتمكن من الخروج من مناطق سيطرة الحوثيين فإنه سيغير موقفه تماماً، لم يكن ابن سلمان قوي الحدس فقد أثبتت التجارب عمق غبائه، ولكنه كان يتحدث بناء على معلومات واتصالات وصفقة مع صالح قد تم توقيعها برعاية الإمارات.

في ذلك الحين شهدت خطابات علي عبدالله صالح الوصول إلى ذروة التناقض فاليوم يهاجم اللجان الشعبية وملازم السيد حسين بدر الدين الحوثي وفي اليوم التالي يعود ليتحدث عن الوفاق مع أنصار الله واتصالاته مع السيد عبدالملك الحوثي وانه تحدث معه عن احتفالية 24 أغسطس وأن الأخير قال لا مشكلة وبارك الاحتفالية…الخ ولكن بعد أن يتلقى رسالة علنية شديدة اللهجة تمثلت في بيان اللجان الشعبية الشهير والذي نشر على مختلف وسائل الإعلام.

وبناء على معلومات أمنية سيجري التعرف عليها لاحقاً، دعت اللجنة الثورية العليا إلى مسيرات في مداخل العاصمة تحت عنوان “رفد الجبهات” غير أن هدفها الرئيسي كان احباط مخطط كان قد تم اكتشافه لإسقاط العاصمة صنعاء تحت غطاء احتفالية المؤتمر بذكرى تأسيسه وبالتنسيق مع التحالف.

قبل الانفجار الكبير: إفشال مخطط إسقاط العاصمة في اللحظات الأخيرة

فيما كانت المجاميع الشعبية والقبلية قد تمركزت بأعداد هائلة على مداخل العاصمة كان صالح قد أدخل مجاميع مسلحة بأعداد كبيرة إلى العاصمة وبدأ بإخراج الآليات التي كان يخفيها لتنتشر نقاط أمنية وتشهد العاصمة توتراً كبيراً متزامناً مع دعايات إعلامية في الشوارع ووسائل الإعلام التابعة لصالح تتهم أنصار الله بأنهم سبب تدمير اليمن وفي المقابل تعيد صالح إلى الواجهة بأنه الأمل الوحيد لاستعادة الاستقرار.

في ذلك الوقت كانت الأجهزة الأمنية قد توصلت إلى معلومات خطيرة من خلال رصد التحركات المضادة والتحقيقات التي أجريت مع من تم القبض عليهم، كشفت أن هناك مخطط أمني وعسكري متكامل لإسقاط العاصمة صنعاء وهو ذات المخطط الذي تم تنفيذه في أحداث ديسمبر ولذلك سنترك تفاصيله إلى الجزء الخاص بتلك الأحداث، غير أن ما حدث بعدها أجبر صالح على تغيير بيانه وخطابه الذي كان سيعلنه في فعالية 24 أغسطس وكان سيعلن فيه الانقلاب على انصار الله والمجلس الأعلى وهو أيضاً ما فعله في 2 ديسمبر، لكن المهم الآن أن فعالية 24 أغسطس مضت بسلام وتم اجهاض المخطط.

كان إنهاء التوتر في أغسطس مجرد تأجيل للانفجار الكبير وفي تلك المرحلة انهالت وسائل إعلام التحالف بالهجمات على عبدالله صالح تصفه بأنه جبان بعد أن مرت فعالية 24 أغسطس بسلام، فيما كشفت مصادر مطلعة لـ”صحيفة المراسل” أن صالح تعرض للتوبيخ من قبل الإمارات لتراجعه عما تم الاتفاق حوله، لكن صالح أكد أنه لم يكن جاهزاً وأن ما حدث لا يعني أنه تراجع وبالتالي أفهم الإماراتيين أنه سيمضي في الاتفاق والخطة ولكن بتوقيت آخر.

وبعد مرور أغسطس رصدت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية واللجان الشعبية التابعة لأنصار الله تحركات مثيرة للشك في صنعاء وعدد من مديريات طوق العاصمة، وفي تلك المرحلة تم القبض على قيادات عسكرية وقيادات بحزب المؤتمر بينها قيادات من الحزب في مديرية همدان، حيث توضح مصادر أمنية لـ”صحيفة المراسل” أن التحقيقات مع من تم القبض عليهم وما عثر بحوزتهم كشفت مخططاً كبيراً ينوي صالح تنفيذه للانقلاب على انصار الله وضمن ذلك المخطط كان المخطط الأخطر الذي تضمن تقسيم العاصمة صنعاء إلى أربع مناطق وتم تعيين قادة عسكريين كبار لقيادة تلك المناطق من المقربين من صالح على رأسهم اللواء مهدي مقولة.

كما أوضحت اعترافات من تم القبض عليهم أن هناك عمليات رصد واسعة للأطقم العسكرية التابعة للأجهزة الأمنية والتابعة للجبهات ورصد لعدد النقاط الأمنية وعدد الأفراد فيها وكذلك مسارات طرق الإمداد إلى الجبهات بالتزامن مع عمليات تسليح واسعة كان يشرف عليها طارق صالح.

أدرك أنصار الله أن صالح لم يتراجع عما كان يخطط له في وقت كانت عمليات القبض على بعض القيادات المؤتمرية تثير حساسية الكثير من القيادات بالحزب على رأسهم الشيخ يحيى الراعي والشيخ صادق أمين أبوراس واللذين لم يكونا على علم بما يخطط له صالح وبالتالي كانت حيرتهم من تلك التصرفات منطقية.

النص الكامل للحوار الصاخب بين علي عبدالله صالح وقيادي بأنصار الله في قصر الثنية

كان علي عبدالله صالح قد جهز بيان فعالية 24 أغسطس متضمناً إعلان مبادرة سلام مع التحالف بالتزامن مع إعلان انهاء التحالف مع أنصار الله وكما أسلفنا كان هذا البيان سيتزامن مع تنفيذ مخطط اسقاط العاصمة الذي تم الاعداد له وتكليف القيادات العسكرية التابعة لصالح بتنفيذه، لكن مضمون البيان تسرب للأجهزة الأمنية ولأنصار الله، وحينها في وفي 23 أغسطس زار القيادي بأنصار الله عبدالمحسن الطاووس (أبو عادل الطاووس) صالح في قصره (قصر الثنية) بصنعاء الذي شهد حواراً صاخباً بين الاثنين ظهر فيه صالح متوتراً ومهزوزاً ما جعله يصرخ ويخرج عن طوره.

يقول القيادي الطاووس إنه ذهب مع اللواء عبدالرزاق المروني الذي كان قائداً للأمن المركزي إلى قصر صالح في الثنية وكان الهدف في البداية تقديم مبادرة من قبل اللواء المروني لتأجيل فعالية المؤتمر لكي يتم إنهاء التوتر الذي كان قائماً في ذلك الحين.

ولكي تكون الرواية واضحة سيتم نقل تفاصيل الحوار كما حدث بين الثلاثة المتواجدين صالح والطاووس والمروني:

-المروني: يا فخامة الزعيم الأوضاع متوترة وانت قائد اليمن ومعك تاريخ طويل، انصارالله متوترين وخبرتكم متوترين والمناسبة ممكن تؤجلوها.

-صالح مقاطعاً: أأجلها !! من ابوه الذي يقول لي أأجلها؟ (كان صالح في تلك اللحظة لا يعلم أن الذي بجانب المروني قيادي بأنصار الله).

-صالح: ليش هذا الكلام، يعني سكتنا لهم في كل شيء، انا حاشد للمناسبة قد لي فترة واليوم تقول أأجلها،

-المروني محاولاً تهدئة صالح:يا فخامة الزعيم ما قصدي كذا، انا ممتن لك منذ أصدرت قرار بتعييني.

-صالح: انا الذي رقيتكم وخليتكم رجال (ثم بدأ صالح بالاسترسال حول أفضاله)

-صالح: صبرنا عليهم (يقصد أنصار الله) وهم يقوموا فعاليات يوم محمد ويوم زيد ويوم حسين وإحنا بنقاتل.

-صالح: خايفين من المناسبة، ليش يخافوا؟ هذا المراهق محمد علي الحوثي بيهدد..احذر انهم يصطدموا مع جماهيري، وهذه فعاليتنا احنا بانخرج احنا صبرنا على تجاوزاتهم ، استولوا على السلاح، واحنا نقاتل في الميدان، اديت ثلاثة الف مقاتل،

-المروني معرفاً برفيقه: هذا أبو عادل الطاووس من المكتب التنفيذ لأنصار الله.

-صالح تفاجأ لأنه لم يكن يعلم بهوية الطاووس وكان هجومه أمام الحاضرين من حاشيته بهدف نقلها إعلامياً، وبعد أن عرف بأن المتواجد قيادي بأنصار الله اعتدل في جلسته وبدا عليه القلق.

وهنا دخل القيادي الطاووس في الحوار.

-الطاووس:انصار الله بقائدها احنا صادقين واظنك قد عرفتنا واذا ما قد عرفتنا فهذه كارثة،انا باتكلم بالصدق:احنا وقعنا اتفاقية شراكة وفعلنا مجلس سياسي اعلى وعلى أساس ان احنا تيارين ومكونين شراكة في كل شيء، وأولها الشراكة ضد العدوان، واتفقنا على هذا.

-صالح: نعم واحنا ملتزمين.انت الان بتتحدث وسمعت منك كلام اندهشت منه،تقول ان مناسباتنا زيد ومحمد وانك اديت ثلاثة الف مقاتل وان احنا استولينا على الوزارات والسلاح، ومن هو الذي ادى مقاتلين ما شفنا مقاتل واحد منكم يقاتل، هذا الكلام مزايدة يا فندم.

-الطاووس: احنا بنسمع هذا الكلام من الإعلام وانا اندهشت انك ذي تتكلم به، مش عارف انه من الزعيم بكله، احنا الذي في الميدان والذي بنقاتل، وما عرفنا احد من المؤتمر يقاتل، أو يخرج بموقف سلمي ضد العدوان.

-صالح: انا شليت الصماد معي، الى معسكر ريمة حميد، ومعنا فيلم وثقائقي.انا وصلته للجميع قلت له سلحهم.

-الطاووس: يا زعيم اين انتوا ليش ما شفناكم تحشدوا الجماهير ضد العدوان، مثل ما بتفعلوا اليوم وهذه التخازين ذي تجمعها في كل المحافظات ليش ما جمعتهم ضد العدوان وخرجتوا بموقف يبيض الوجه. حتى الشهيد الملصي، ما كفاك الاحياء تتقمص مواقفهم، عاد تشتي الجيش باسمك، حسن الملصي تعرض لتهديدات منك وطالبته يرجع من الجبهة، انت تلاحق حتى الفرد الواحد الى الجبهات عشان يرجع واليوم تشتي تقول انك الذي بتقاتل؟

-الطاووس منفعلاً: القتال ما انتوا أهله، اخرجناك من عشك بعدما دخلوا الإصلاح وهادي الى موقعك وقناتك، لولا السيد انهم تمكنوا منك، احنا جينا ناصحين لك اليوم نواجه عدوان، وفي العام الماضي عندما تجمع هذه الجماهير، اذا انت حريص على الاتفاق، خلي المسيرة تخرج وتحولها ضد العدان، واحنا مستعدين نخرج معاك، ونحولها من مسيرة لحزب، الى مسيرة ضد العدوان.

-الطاووس يضيف: معنا معطيات واثباتات ان هناك تنسيق واضح بينكم وبين الاماراتيين، على أساس حشد الناس وإشغال الناس في صنعاء وهم يتحركوا في الحديدة، وتعز.

-صالح: يعني قدنا متآمر؟

-المروني: على من تراهن، احنا نعرف بعضنا، احنا حريصين لا نقدم مادة للعدو يستغلها، عندما تخلي أربعين الف امني في حماية المناسبة فالجبهات أولى بهم.اما محمد علي الحوثي، الذي حشدهم هم جماهيرنا، ضد العدوان وكل مناسباتنا ضد العدوان

-الطاووس: اذا حصل شيء اقسم بالله ان لحنا ما نصطدم مع  أي مواطن، ما نعرف الا علي عبدالله صالح.

-صالح: هذا قده تهديد

-الطاووس: افهمه كيف ما بدك احنا صابرين عليكم بنقاتل عليكم ونحميكم وانتوا تقدموا مساعدات للعدوان. اذا كنت حريص على الشعب ليش ما توزعها على المحافظات ونخلي كل محافظة تقيم فعالية ضد العدوان.

صالح: ما عاد باقي الا انتوا تنسقوا لي اين احتفل، تفرضوا عليا.

-الطاووس انا أقول لك كحل، اذا انت حريص على وحدة اليمن.

-صالح: انتوا تقيموا مناسبات لرسول الله.

-الطاووس: هي جهادية وثورية ونحولها الى مسارات ضد العدوان.

-صالح: خلاص، احشدهم وباتخرجوا معنا، بلغ عبدالملك الحوثي بنحتشد جمعة ونخرج جمعة.

-الطاووس:  تمام انا ابلغ السيد اليوم اننا سنحولها الى مسيرة ضد العدوان.

-صالح: تشتي ترفع شعار الله اكبر.الموت لأمريكا؟ما نرفع الا شعار المؤتمر.

-المروني يتدخل:  بدون شعار لا كذا ولا كذا، نخرج بدون شعارات ونوجه خطاباتنا ضد العدوان.

-صالح: مستحيل، ما انا قابل فرضياتكم، سكتنا يكفي تجاوزات ما عاد باقي الا تفرضوا عليا

-الطاووس: ايش هي التجاوزات، انت اخر من يتحدث على التجاوزات. سكتنا يا علي عبدالله صالح ستة حروب وانت تقتلنا في صعدة، وقتلت حتى قائدنا ودمرت منازلنا ويتمت أطفالنا وكل واحد مننا مغبون منك أقل واحد فصلته من عمله والسيد كاتم مشاعرنا، ويتعامل معك تعامل القرآن، سكت على قتلك أخوه السيد حسين بدالدين وتجاوزنا، ودخلنا وآويناك وحميناك.

صالح يشعر بتوتر كبير وقام بخلع الكرفتة والنظارة وقال: يامروني تدخل وخل هذا يسكت.

-الطاووس:  اسكت انت  يامروني خلني أكمل:

-الطاووس مخاطباً صالح:انت فارح بنفسك انك متجمل: احنا ذي ساكتين عليك،انت بتشكي من كلام الإعلاميين حقنا أي واحد يتكلم عليك مستعدين نقطع لسانه،مع ان هناك قادة محسوبين عليك، البركاني وشلته الذي في الرياض مع العدوان، ما موقفك منهم. احنا نكلمك عن قيادات حقك وانت تتكلم عن اعلاميين.

-صالح: احنا عازمين في المؤتمر نتخذ موقف.

-الطاووس: الذي في الرياض لم يذهبوا الا وهم وهم منسقين معك عملاء في الرياض، وانت عميل لهم في صنعاء.

-صالح:هذا كلام كبير

-الطاووس: أنا قلت لك من البداية باكلمك بالصدق

بعد ذلك نهض الطاووس ودعا المروني ليخرجوا.

-صالح رافعاً صوته:انا مستعد اني اكتب الكلمة الذي اديها في المناسبة، واعرضها عليكم.

-الطاووس: اشتي اقلك تتأكد أنك لن تجدنا بعد المناسبة كما كنا قبلها.

وبعد أن عرض صالح تغيير كلمته انتهى اللقاء وبعد ذلك كان هناك لقاء آخر لصالح مع الصماد الذي هدئ من روعه وقال إنه لا توجد أي مشكلة والمهم أن يقوم علي عبدالله صالح بتغيير البيان الذي كان سيعلنه في فعالية 24 أغسطس وهو ما وافق عليه علي صالح لتتراجع مستويات التوتر ولكنها لم تنتهي بل تأجلت.

مضت فعالية 24 أغسطس بسلام لكن ما أكد صحة مزاعم أنصار الله بأن الفعالية كانت معدة لتكون غطاء لانقلاب آخر هو حجم الخيبة التي أعلن عنها النشطاء المقربين من صالح بعد انتهاء الفعالية عندما قال معظمهم إنه طالما لم يتغير الموقف من أنصار الله فإنه لم يكن هناك داع ليخرجوا فيها أو يدعوا إليها.

وفي نهاية هذا الجزء من الأحداث تشير “صحيفة المراسل” إلى أنها تركز على الأحداث والمعلومات التي لم تكن معروفة أو معلنة وبالتالي لن يتطرق الملف إلى الأحداث التي جرى الكشف عنها في وقتها أو في وقت لاحق مثل حادثة مقتل خالد الرضي وما أعقبها لأن موقع الصحيفة “المراسل نت” كشف عن تفاصيلها ونتائج التحقيق المشترك بشكل حصري في حينه ويمكن مراجعة الموقع لمعرفة التفاصيل.

اللقاء الأكثر سخونة بين المؤتمر وأنصار الله في القصر الجمهوري

بعد الاحتكاكات التي حدثت يوم الهجوم على النقاط الأمنية بجولة المصباحي ومقتل خالد الرضي وبعد ذلك ما حدث قرب مقرات اللواء الثاني واللواء الثالثة حماية رئاسية وقرب منزل أحمد علي عبدالله صالح، كانت الجهات الأمنية قد حصلت على تفاصيل كاملة لمخطط الانقلاب في صنعاء والمحافظات بقيادة علي عبدالله صالح.

في ذلك الحين كانت وسائل إعلام التحالف تعمل على مدار الساعة على تأجيج الخلافات ونشر الشائعات فيما كان الشارع في صنعاء والمحافظات يشعر بقلق كبير والأجواء تقول إن ثمة شيء خطير سيحدث قريبا، فيما كانت البيانات والبيانات المضادة تصدر بين الحين والآخر بين أنصار الله وحلفائهم والمؤتمر وحلفائه.

وعندما وصلت الأمور إلى مرحلة لا تطاق تقرر عقد لقاء واسع بين قيادات أنصار الله وقيادات المؤتمر بحضور القيادات الأمنية وهو ما حدث في 14 أكتوبر بالقصر الجمهوري بصنعاء وحضره رئيس المجلس الأعلى صالح الصماد ومن القيادات العسكرية والأمنية اللواء عبدالله يحيى الحاكم واللواء عبدالحكيم الخيواني فيما حضر من جانب أنصار الله مهدي المشاط أحمد حامد وفضل أبوطالب ومحمد علي الحوثي وآخرين ومن جانب المؤتمر صادق أمين أبو راس ويحيى الراعي وعارف الزوكا وحسين حازب وآخرين.

كان اللقاء صاخباً بكل معنى الكلمة خصوصاً من الجانب الأمني والعسكري الذين كان لديهم التقرير الكامل عن مخطط صالح لاسقاط العاصمة والمحافظات ولذلك كان حديثهم خلال اللقاء مرتفعا وشديد اللهجة كما تؤكد مصادر حضرت اللقاء لـ”صحيفة المراسل” وتذكر أن اللواء الحاكم هدد بالمواجهة الشاملة وأكد أنه لا يمكن السماح بتدمير رصيد الصمود بمواجهة العدوان وأنه لن يتم السماح بأن تذهب دماء الشهداء هدراً…الخ.

في تلك اللحظة كانت بعض قيادات المؤتمر لا تعرف شيئا عن مخطط صالح ولذلك قام يحيى الراعي بالاعتراض بشدة على كلام الحاكم ولحظتها قام اللواء الخيواني بعرض كل تفاصيل المخطط الذي أعده صالح وكشف أسماء القادة ومواقع المعسكرات …الخ وفقاً للخطة التي عثر عليها وهو ما فاجأ بعض قيادات المؤتمر التي أكدت عدم علمها بالموضوع وأنها سترفض هذا المخطط في حال صحته وهو ما عبر عنه الراعي وحسين حازب.

انفض اللقاء الذي استمر لساعات طويلة جداً دون أن يتم الإعلان عن موقف موحد من الطرفين او بيان مشترك كما حدث في لقاء مماثل في 29 أغسطس2017م.

أحداث ديسمبر: صالح يقرر المضي في المعركة الأخيرة في تاريخه

استمر التوتر صنعاء وبعض المحافظات في نوفمبر 2017م واستمرت الحملة الإعلامية للمؤتمر بشكل متوافق مع إعلام السعودية والإمارات والرد من جانب إعلام أنصار الله، وفي تلك المرحلة تم اكتشاف أن شحنات أسلحة إماراتية دخلت إلى صنعاء والمحافظات بالتنسيق مع طارق صالح وانطلقت من الضالع إلى محافظة إب ومنها إلى صنعاء، وفي ذلك الوقت كان صالح بالفعل قد دس مئات العناصر في اللجان الشعبية والأمنية حيث سبق وأبلغ السعودية والإمارات أنه دس 3 آلاف عنصر بين قوات أنصار الله وهي التي سهلت دخول شحنات الأسلحة تلك بالإضافة إلى ترسانة أسلحة وذخائر احتفظ بها صالح منذ كان رئيسا.

بالتزامن كان صالح قد استدعى القيادات العسكرية والضباط والأفراد الموالين له من القوات الخاصة والحرس الجمهوري إضافة لمن تم تجنيدهم في معسكرات سرية ومعسكرات بغطاء خادع مثل معسكر الملصي وفي ذلك الوقت بدأت أعمال التحصين وإقامة المتارس بحجة حماية منازل صالح وأقاربه وقيادات ومقرات المؤتمر.

وفيما كانت الخطة تقضي في السابق بأن يبدأ التحرك بالتزامن مع فعالية المؤتمر في 24 أغسطس فقد اختار صالح أن ينفذ ذات المخطط رغم انكشافه ولكن بالتزامن مع انشغال الأجهزة الأمنية واللجان الشعبية بتأمين فعالية المولد النبوي بميدان السبعين بصنعاء وحينها بدأ التوتر والاحتكاك يكبران بعد رفض قوات صالح دخول اللجان الأمنية إلى جامع الشعب (جامع الصالح سابقاً) كما كان يحدث في الفعاليات السابقة وهناك حدثت اشتباكات انتهت بإجبار قوات صالح على التراجع ودخول القوات الأمنية إلى باحة المسجد لتأمين الفعالية.

وفي يوم المولد النبوي بدأت عناصر قوات صالح التقطع والاختطافات للوافدين إلى الفعالية ممن كانوا يمرون من الاحياء والشوارع القريب من منزل صالح ومنازل عائلته في الحي السياسي وشارع الجزائر وغيرها فحدثت أعمال قتل واختطاف للعشرات كانت بمثابة الشرارة الأخيرة للمواجهة الكبرى.

وفي صباح يوم السبت 2 ديسمبر 2017م ظهر زعيم أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي في خطابه الشهير الذي تضمن مناشدته لصالح للتوقف عن مخططه وعدم الانجرار لسفك الدماء بعدما بدأت المواجهات على نحو ملموس، وهو ما اعتبره صالح ضعفاً من الحوثي فظهر في ذلك الصباح وقد ارتدى حلة أنيقة تشبه ظهوره حين كان رئيساً وألقى خطابه الشهير الذي تقمص فيه دور الرئيس مجدداً وهو يقول للشعب إن المؤتمر الشعبي هو المرجعية ولا شرعية لأنصار الله موجها دعوته للتحالف للحوار وطي صفحة الحرب بالمقابل دعا أنصاره للخروج في كل مدينة وشارع وقرية لينتفضوا ضد أنصار الله لتبدأ بعدها المعارك التي شهدها سكان العاصمة والمحافظات وشاهدها العالم.

ولأن معظم التفاصيل لما حدث في المواجهات وصولاً إلى الوساطات التي حاولت انهاء المواجهات ومن ثم انهيار قوات صالح، باتت معرفة للناس والعالم فإن ماتبقى لم يكشف بشكل كامل هو تفاصيل هروب صالح من منزله وبعد ذلك مقتله فإن هذه الجزئية الأخيرة هي التي سيُختم بها هذا الملف والتي شهدت الرقصة الأخيرة لمن كان يتفاخر بمقولته أن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين.

القصة لكاملة لهروب علي عبدالله صالح من صنعاء ومقتله بأحدى قرى سنحان وآخر مكالمة بين الصماد والزوكا

” أنت لأنك صاحبي معك ست ساعات تهرب صعدة” ما لم ما عاد لي دخل بعدها”.. هكذا كان رد عارف الزوكا على آخر محاولة من قبل الرئيس صالح الصماد الذي طلب منه أن يعقل صاحبه، بعد ذلك أغلق صالح الصماد هاتفه ليلجأ الزوكا إلى قناة بي بي سي وينادي عبرها بالتهدئة والوصول إلى حل سلمي.

على عكس ما توقع صالح فقد انهارت قواته بشكل سريع ودراماتيكي، وبينما كانت القوات الأمنية واللجان الشعبية تضيق الخناق عليه في آخر معاقله بقصف (الثنية) في شارع صخر، أدرك أنه لم يعد هناك مجال للمقاومة سوى التجهيز للخروج من المنزل والهروب إلى أقرب نقطة تتواجد فيها قوات التحالف بعد أن تم التنسيق مع (الرياض) لتأمين هروبه، ولذلك تحولت سماء العاصمة صنعاء إلى ساحة للطائرات الحربية.

ونظراً للروايات المتعددة وحالة الفوضى الإعلامية التي نشرت روايات متعددة لطريقة مقتل صالح أو هروبه فإن الرواية الكاملة هنا جاءت بناءً على المعلومات الأمنية ومحاضر التحقيقات لمرافقي صالح وعناصره الذين تم القبض عليهم بعد مقتله.

وبناءً على ذلك كانت الخطة أن يخرج صالح بموكب مكون من ست سيارات مدرعة إلى شارع صخر ومنه عبر الشوارع الفرعية إلى شارع الزبيري.

وعلى عكس ما يعتقد البعض فإن الحالة الأمنية لم تكن مستقرة، وانتشار النقاط الأمنية كان ضعيفاً في بعض المناطق والشوارع نظراً لانتشار القناصين التابعين لصالح في عدد كبير من الأبنية ولذلك اختار صالح الخروج عند العاشرة صباحاً بناءً على علمه بأن القوات الأمنية واللجان الشعبية كان تحركها اسهل في الظلام وصعب في النهار نظراً لوجود القناصين.

انطلق موكب صالح من شارع الزبيري إلى السائلة، وتعطلت المركبة التي كان صالح على متنها، فانتقل إلى أخرى، ضمن الموكب، وكانت تلك الصدفة التي دلت على هروبه بعد أن عثر على السيارة وبداخلها بطائق ووثائق تخصه.

اعتمد صالح في طريق هروبة داخل العاصمة صنعاء على وجود عناصر تابعه له داخل القوات الأمنية وعلى إيهام بعض النقاط الأمنية من قبل مرافقيه بأن الموكب هو للرئيس صالح الصماد، وكذلك على اطلاق النار من الرشاشات التي كانت السيارات المدرعة مزودة بها، على النقاط الأمنية التي لم يكن بمقدورها إيقاف الموكب بالأسلحة الخفيفة، بالإضافة إلى أن طيران التحالف كان يقصف النقاط الأمنية أولاً بأول ما ساهم في ارتباط القوات الأمنية في مختلف النقاط التي مر منها “صالح”.

وصل صالح إلى المناطق الجنوبية التي كانت من معاقله خلال المواجهات ومنها إلى جولة الحثيلي وطريق سنحان.

كانت القوات الأمنية تطارد صالح رغم تعرضها لخسائر كبيرة جراء نيران المدرعات التي تكون منها موكب صالح، حتى وصلت المطاردات إلى منطقة أو قرية الجحشي، بسيارتين مدرعتين من اجمال الموكب بعد أن تعطلت الأولى وسلوك الثلاث المدرعات الأخرى طرقاً مختلفة لتشتيت القوات الأمنية.

وفي تلك المنطقة كان هناك نقطة أمنية يظن مرافقوا صالح أنها ما تزال بأيدي قواته، لكنها كانت قد سقطت وهناك تمكنت القوات الأمنية من إعطاب إحدى المدرعات، واتضح أن بداخلها نجلي صالح “صلاح ومدين” وعدد من مرافقيهما، الذين ترجوا من السيارة وسلموا أنفسهم للقوات الأمنية.

فيما استمرت مطاردة السيارة الأخيرة التي اتضح أن على متنها صالح والزوكا وعدد من مرافقيهما، متوجهين إلى خولان، كما اعترف المقبوض عليهم من مرافقي صالح في التحقيقات، وتحت وقع النيران التي اعطبت المدرعة، ترجل صالح والزوكا فيما تمترس مرافقيهما وبدأوا بإطلاق النيران والاشتباك مع القوات الأمنية، ليسقط صالح قتيلاً وكذلك الزوكا, لتشهد قرية الجحشي بمنطقة سنحان الرقصة الأخيرة لرجل اعتاد الإنقلاب على شركائه في سبيل الوصول إلى الحكم أولاً، والحفاظ عليه، والعودة إليه، ولكن الأخيرة لم تتحقق لأن صالح كان يواجه هذه المرة ثعابين غير مروضة.

 

عربي وإقليمي

المصدر: المراسل

الأحد 08 كانون الأول , 2019 12:12
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2020 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي