هل يُسمح لنا بتحويل أزمة كورونا الـى فرصة تبدأ بإعادة هيكلة اقتصادنا وتخليصه من تشوهات الثقافة الاستهلاكية؟
هل يُسمح لنا بتحويل أزمة كورونا الـى فرصة تبدأ بإعادة هيكلة اقتصادنا وتخليصه من تشوهات الثقافة الاستهلاكية؟

د. عبد الحي زلوم

سنسعى في هذا المقال ان نبين ان ثقافة الاستهلاك المستوردة هي بطبيعتها تتعارض مع مصالحنا الشخصية والوطنية. كما انها مُعادية لكل الأديان ومنافية للأخلاق.

عند اكتشاف النفط بالطرق الحديثة سنة 1859 اشتعلت الثورة الصناعية في الولايات المتحدة في زيادة وتيرة الإنتاج بطريقة ثورية ‏ولكن بقي الاستهلاك في حدوده التقليدية السابقة مما سبب ركودا اقتصادياً كبيراً لزيادة الهوة بين العرض والطلب مما سبب ركودا اقتصاديا كبيرا في سبعينات القرن التاسع عشر و آخر اكبر منه في تسعينيات القرن نفسه. ‏ومما زاد الطين بلًة ان الاتمتة ‏ ‏ساهمت في تقليص الوظائف. نتج عن كل ذلك نشوء حركات شعبية اشتراكية مناهضة للنظام الراسمالي نفسه، وتجلت في تأسيس )حزب الشعب(. ‏وكما هي العادة في النظام الرأسمالي فإنه يجد في الحروب مخرجا لأزماته. ‏سنة 1898 ادّعى الأمريكيون أن الأسبان الذين كانوا يحكمون كوبا قد فجروا المدمرة الأمريكية يو أس أس مين USS Maine الراسية في ميناء هافانا، وأعلنوا الحرب على إسبانيا واستولوا على كل مستعمراتها بما في ذلك‏ كوبا وحتى الفلبين‏. بعد ذلك، كما حصل باختلاق الكذب لشن الحرب لاحتلال العراق سنة 2003، تبين من التحقيق لاحقا ان انفجار المدمرة الامريكية كان عملا داخليا ولم يكن للأسبان أي يد فيه.

‏توصل الرأسماليون الأمريكيون، او كما كانوا يُسمّون في القرن التاسع عشر بالبارونات اللصوص، انه إذا تم زيادة الإنتاج بطرق ثورية بعد الثورة الصناعية فعليهم أن يطوروا الاستهلاك بطرق ثورية ايضاً. قام البارونات اللصوص بإنشاء وتمويل كليات الإدارة والتجارة وهي علوم مستحدثة لم يكن لها وجود في القرن التاسع عشر، ‏وكان الهدف من تحالف البارونات اللصوص وكليات الادارة المستحدثة خلق عقيدة الثقافة الاستهلاكية الجديدة والعلوم المصاحبة لنشرها ورعايتها.

قدم جورج بيكر (George F. Baker ) رئيس فيرست ناشونال بنك في نيويورك منحة لجامعة هارفارد كانت لبناء الجامعة مبنى لكلية الادارة، ومبنى السكن للطلاب الداخلي ومبنى المكتبة وكان ذلك عام 1927. وكانت كل من جامعتي كورنيل ونيويورك مرتبطة بعلاقات وثيقة ومعتمدة مالياً مع اولئك الذين اخترعوا وكرسوا ثقافة الاستهلاك. وكان ايلسورث ستاتلر (Ellsworth Statler ) ممولاً رئيسياً لجامعة كورنيل. ولم يكن بيري شتراوس Perry Stauss) ) صاحب شركة ميسي Macy المصدر الرئيسي لتمويل جامعة نيويورك فحسب، ولكنه كان من ضمن طاقم المجلس التنفيذي الذي اعتاد ان يجتمع خلال العشرينات بصورة منتظمة في محلاته، كما رأس مجلس الأمناء ايضا. ‏ومن المناسب هنا ان نبين أن اخ بيري واسمه ناتان كان قد تبرع بالأرض التي بنيت عليها المدينة التي حملت اسمه – نتانيا- قرب يافا في فلسطين.

 خلال هذه الفترة ايضاً انشأت جامعة ستانفورد Stanford كلية لتدريس العلوم الحديثة مثل المحاسبة والتمويل والتسويق والنقل، وادخلت هذه الحقول في دراساتها كل من جامعات نورث وسترن والتي تحمل كلية الإدارة بها اسم رجل الأعمال كيلوغ Kellogg. ومن المناسب ايضا ان نذكر ان جامعة ستافورد قد أخذت اسمها عن رجل الأعمال ستانفورد الذي كون ثروته عن طريق سكك الحديد.

توصل هذا التحالف بين رجال الاعمال والاكاديميا  إلى الاستنتاج بأن الانتاج هو احد وجهي معادلة العرض والطلب، بل هو الوجه الاسهل، وقرروا أنه يمكن السيطرة على الطلب من خلال تحفيز الرغبات البشرية التي لا تعرف الحدود، مما سيقود الى زيادة لا تنتهي في النمو والانتاج. وعلى أية حال فإن انظمة السيطرة للتأثير على الرغبات وتوجيهها يجب ان توضع تحت الدراسة على ان يتم توجيه ما ستسفر عنه الدراسة وادارته بموجب مبادئ علم معين، لم يكن قد ظهر بعد، ولذلك يجب ايجاده. ويجب ان يكون النشاط التجاري احترافاً أو مهنة جديرة بالاعتبار. وقال لويس كريستين رئيس شركة متاجرFilene’s ” لم تقدم أية جهة مساعدة لجعل النشاط التجاري حرفة معتبرة أكثر من جامعة هارفارد “.

 نشر مازور ( من جامعة هارفرد ) عام 1928 كتابه بعنوان (“الازدهار الاميركي” “American Prosperity”) وكان هذا الكتاب الاشهر أكاديميا لعشرات السنين. ويمكن التعبير عن ثقافة الاستهلاك الرأسمالي بإيراد بعض المقتطفات من هذا الكتاب : “يمكن الان تطوير الرغبات البشرية بحيث تطغى هذه الرغبات على احتياجات الانسان الحقيقية وبالتالي تطمسها”، “يبدو ان الرغبات البشرية لا تقف عند حدود”، ” وَفّر الاموال للجميع بما يكفي لاشباع كافة الحاجات والرغبات والنـزوات، ووَفّر لجميع ابناء الشعب الرغبة لاشباع هذه الحاجات والرغبات والنـزوات، وعندئذ فإن الطاقة الانتاجية للبلاد سوف تئن تحت وطأة الطلب الهائل. ربما تكون هناك حدود لاستهلاك بعض السلع المعينة ولكن لا توجد اية حدود نظرية لامكانيات الاستهلاك العام”  (الازدهار الاميركي : أسبابه ونتائجه).

وهكذا تم تحويل السعادة الى سلعة يمكن شراؤها ويمكن حيازتها بواسطة تملّك الاشياء. و كما جاء في كتاب “ارض الرغبة – ص 277” “انه كان مفروضاً على الاقتصاد الاميركي ان يستثير رغبات جديدة وغير مطورة او ناضجة” وقد تمت اقامة مؤسسات مساعدة لترويج هذه الثقافة الجديدة تحت الادعاء باطلاق الحريات الشخصية بلا حدود.

وقد بارك ثقافة الاستهلاك هذه جون كينـز (John Keynes )، خريج جامعة كمبردج وقد كان من ذوي الشذوذ الجنسي ويفاخر بوصف نفسه بالانسان “غير الاخلاقي”. وادّعى ان اخلاقيات العقائد والديانات يجب استبعادها من قيم المجتمع لانها تدعو الى الادخار للمستقبل والانضباط الذاتي في الحياة الدنيا للحصول على الجزاء في الحياة الأخرى. وقد عمل على ترويج استغلال الفرص والملذات في الوقت الحاضر بدلاً من الانتظار للمستقبل، وان على الناس الاّ يكبحوا جماح شهواتهم ويجب ان ينسوا مبادئ التوفير والاقتصاد والتضحية. وفي عُرْف كينـز فإن مثل هذه الفلسفة ستعود على الجميع بفائض من السعادة والمسرة.

من المهم أن نبين أن كينز كان احد أبرز اقتصاديي القرن العشرين وشارك مع الامريكي ديكستر وايت (Dexter White ) في صياغة النظام المالي لما بعد الحرب العالمية الثانية.

 والخلاصة :

من الناحية الاقتصادية قامت دولة (الولايات المتحدة ) بخلق ثقافة الاستهلاك لان طاقاتها الانتاجية كانت تفوق الاستهلاك وكانت صناعاتها في اكثرها تستعمل مواردها الذاتية من داخل الولايات المتحدة. بالنسبة للدول النامية عموماً بما فيها الدول العربية فهي دول تفتقر الى وسائل الانتاج لتغطية حاجات مجتمعاتها حتى الاساسيات منها وهي تستورد حتى الضروريات فلذلك لا تنطبق ثقافة الاستهلاك عليها ولا توجد دواعي وجودها في مثل هذه الدول والمجتمعات. فما بالكم لو ان هذه المجتمعات التي تستورد غذاءها وكساءها بأن يُفرض عليها ثقافة الاستهلاك وأن يقوم افراد مجتمعاتها مسلوبي الارادة تحت تأثير العلوم المستحدثة من تشويق واعلام لشراء الكماليات. هل يعقل ان يستورد بلد كالاردن من السيارات خلال اخر 20 سنة ما يزيد كلفته وكلفة تشغيله عن مجموع مديونيته التي ترهق البلاد والعباد ؟

تدّعي ثقافة الاستهلاك أن شراء السلع وتحفيز النزوات والشهوات يأتي بالسعادة على مستخدميها.لكن الحقائق تنافي ذلك. ففي الولايات المتحدة وحسب احصاء نشر في ابريل 2018 جاء فيه ان عدد الامريكيين الذين يتعاطون عقار الاكتئاب هم حوالي 25 مليون امريكي بزيادة 60% عن سنة 2010.وأن من يتعاطوا المخدرات بلغوا 15 مليون بزيادة 100% عن سنة 2010. فهل جلبت هذه الثقافة الاستهلاكية غير المليارات الى بارونات اللصوص والتعاسة لبقية الشعب ؟ وهل جلبت هذه الثقافة غير العجوزات والديون للأفراد والدول وفقدانها سيادتها الاقتصادية وبالتالي سيادتها السياسية ؟

تقوم هذه الثقافة حسب ما وثّقنا اعلاه على تحفيز الرغبات والشهوات مع ان جميع الاديان جاءت لتهذيب تلك الغرائز الحيوانية.فقالت هذه الاديان (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ). ولعل الاية القرانية عن هذا الموضوع اعجازية في وصفها للثقافة الاستهلاكية حيث تقول : ” أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.”

اكثر الدول العربية تواجه اليوم عجوزات مالية والاردن ليس استثناءا حيث ان حالته الاقتصادية ما قبل كورونا كانت توصف بانها حرجة جداً. وازمة كورونا ستصيب العالم بهزة اقتصادية قد تكون غير مسبوقة وستزيد الاحوال الاقتصادية سوءا. وعلينا ان لا نكون كالحمير يحملون اسفاراً( وشهادات )وأن يبقى القديم على قدمه. وعلينا اعادة هيكلة اقتصاداتنا بما يتلاءم مع ظروفنا لا كما تمليه علينا أدوات الاستعمار الجديد.

مستشار ومؤلف وباحث

أقلام حرة

المصدر: د. عبدالحي زلوم

الأحد 29 آذار , 2020 03:32
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2020 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي