في الذكرى الـ50 لرحيل عبد الناصر يُعلِن العرب وفاة لاءات الخرطوم
في الذكرى الـ50 لرحيل عبد الناصر يُعلِن العرب وفاة لاءات الخرطوم

زهير أندراوس

ألا تلاحِظون أنّ الدول العربيّة، وفي مُقدّمتها، دول الخليج، بنسبٍ مُتفاوتةٍ ولأهدافٍ مُتباينةٍ، هي نفس الدول التي تُشارِك اليوم في مهرجان التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيليّ!

فلندعْ جانبًا ومؤقتًا، القضيّة الفلسطينيّة، ولا نُناقِش مَنْ خان مَنْ، وهو النقاش الذي تأجج عُقب توقيع الـ”سلام” بين إسرائيل والإمارات والبحرين: الحُكّام العرب بسوادهم الأعظم، أمْ القيادة الفلسطينيّة ممثلةً بمنظمّة التحرير الفلسطينيّة، التي قامت بالتوقيع على اتفاق أوسلو سيء الصيت والسُمعة!.

هي نفس الدول، التي شاركت في تدمير ليبيا، وسمحت لطائرات حلف شمال الأطلسيّ (الناتو) بالانطلاق من قاعدة (العديد) العسكريّة-الأمريكيّة في قطر، ومن أماكن أخرى، لتقتل وتُشرِّد وترتكب أفظع الجرائم، بحقّ الليبيين، قيادةً وشعبًا، وها نرى إلى أين وصلت ليبيا: دولةً، إذا جاز التعبير، فاشلة بكلّ ما تحمِل هذه الكلمة من معانٍ، تُمزّقها الحرب الأهليّة، ولم تبقَ دولةً في العالم تقريبًا، إلّا وانقضّت على هذا الـ”صيد الثمين”، بهدف جني الأرباح الماليّة وتكريس التفتيت، والشعب الليبيّ يدفع الثمن الغالي، فالفاتورة تشمل الدّماء الغزيرة التي صبغت الشوارع السوداء باللون الأحمر، وأضحت الحرب الأهليّة، الكلّ ضدّ الكلّ، ولا حلّ في الأفق.

العدوان على “الجماهيريّة” كان قرارًا أمريكيًا – صهيونيًا، وحصل على “شرعيّةٍ” عربيّةٍ، عندما أصدرت جامعة الدول العربيّة بقيادة عمرو موسى، القرار الذي يُطالِب بفرض حظرٍ جويٍّ على ليبيا وإقامة مناطق آمنة فيها، رحّبت واشنطن، واستُغّل القرار العربيّ للتدّخل العسكريّ من قبل الـ”ناتو”، في حين قامت الدول الداعِمة للعدوان بتمويل الحرب الغربيّة على ليبيا، تمامًا كما في كلّ حربٍ تخوضها أمريكا لـ”إنقاذ” العرب من أنفسهم، تقتل، تُشرّد، تُهجِر باسم الدفاع عن حقوق الإنسان، ومن المُفيد التذكير بأنّ هذه الجامعة أقامها الاستعمار الإنجليزيّ خدمةً لأهدافه، ولم نسمع مرّةً عن قرارٍ صادرٍ من هذا الجسم الهُلاميّ، صبَّ في مصلحة أمّة الناطقين والناطِقات بالضاد، بل بالعكس، القرارات، التي لا تُسمِن ولا تُغني عن جوع، كانت دائمًا تُناوِر في إطار الألاعيب الخبيثة، ضمن السقف الذي حدّدّه المُستعمِر الغربيّ

هي نفس الدول الوظيفيّة، التي شاركت في المؤامرة الكونيّة ضدّ سوريّة، هي الدول عينها، مع اختلاف الأدوار الثانويّة، التي تمّ رسمها والتخطيط لها في كلٍّ من تل أبيب وواشنطن، وتُوجَّت المؤامرة العدوانيّة ضدّ بلاد الشّام في قرار الجامعة العربيّة بتعليق عضوية سوريّة فيها، وقامت العديد من الدول العربيّة بقطع علاقاتها الدبلوماسيّة والأخرى مع دمشق، فيما واصل سفراء كيان الاحتلال الصول والجول في عواصم عربيّةٍ سرًّا وعلنًا. ينتقدون الـ”نظام الحاكم في دمشق”، على “استبداده”! أحقًّا؟ ولكن، نحنُ مع دولة المُواطنة ومنح الإنسان جميع الحريّات الفرديّة والجماعيّة، ولكن، استخدام فزّاعة الديمقراطيّة كشماعةٍ لتفتيت سوريّة، هو مُحاولة كئيبة لمنع سقوط الأقنعة، ذلك أنّ مَنْ يتحدّث عن الديمقراطيّة، يجب أولاً وقبل كلّ شيءٍ أنْ يُطبّقها على أرض الواقِع، وهذا الأمر يبدو جليًا عندما نسأل الدول الخليجيّة: كيف تُريدون تطبيق أمرٍ ما وأنتم لا تعرفوه ولا تُطبّقوه؟ لماذا دولكم، جميعها دون استثناءٍ، هي دول استبداديّة قمعيّة، تُحكَم بالحديد والنار، مع أنّكم تؤمنون بأنّ (الأقربون أولى بالمعروف)! لماذا تتجاهلون المثل القائل إنّ “مَنْ بيته من زجاج لا يرمي الحجارة على الآخرين”؟ مَنْ خوّلكم بمُحاولة تدمير هذا البلد العربيّ المُقاوِم بذريعة دمقرطته؟.

هي نفس الدول، مع تغييراتٍ طفيفةٍ في تأدية الوظائف وخوض الحروب بالإنابة والوكالة، هي نفس الدول التي تقوم بعملية إبادةٍ جماعيّةٍ في اليمن (غير) الشقيق! عاصفة الحزم، أسميتم العدوان على اليمن، وبعد فشلكم المُدّوي في تحقيق أهداف رأس الأفعى، أمريكا، وربيبتها، إسرائيل، لجأتم لاسمٍ آخر وهو (إعادة الأمل)، وها نحن نرى يوميًا كيف حققتم أمل وآمال واشنطن وتل أبيب، فاليمن أصبح مُتاحًا ومُباحًا لكلّ مَنْ شاء، وبتنا لا نعرف مَنْ يُحارِب مَنْ ولماذا؟ ولمَ هذا الاستغراب: فالقاتل عربيّ، والقتيل عربيّ والداعِم عربيّ والمُستفيد أجنبيّ!! قسّمتم المُقسَّم في اليمن، وفتتم المُفتت، وجزأتم المُجزّأ، ولن تتوقفوا عند اليمن الشماليّ والجنوبيّ، جميعكم، تعملون على هدم دولةٍ عربيّةٍ “شقيقةٍ”، تحت شعار الشرعيّة! نعم، نحن مع الشرعيّة في كلّ زمانٍ ومكانٍ، ولكن مَنْ خوّلكم بارتكاب أبشع الجرائم بحقّ اليمنيين؟ أين الشرعيّة، وحتى إذا وُجِدت مَنْ منحكم إيّاها؟ العدوان على اليمن أكّد أنّ عاركم يسير عاريًا!.

أكتب هذه الكلمات بألمٍ وحسرةٍ شديديْن، ونحن نقترِب من إحياء الذكرى الخمسين لرحيل القائد، المُعلِّم والمُلهِم، جمال عبد الناصر (28.09.1970)، هذا الرجل الذي قال فيه فيلسوف القوميّة العربيّة، ساطِع الحُصري: “رجلٌ اتسّعت همّته لآمال أمّته”، ولا ضير بتذكير أنفسنا والآخرين بمقولته المأثورة: “إنّ الشعوب التي تُساوِم المُستعمِر على حرّيتها، تُوقِّع في نفس الوقت على وثيقة عبوديتها”، وبعد الترّحم على الراحِل عبد الناصر وجميع شهداء الأمّة العربيّة من مُحيطها إلى خليجها، وبعد تجديد العهد له “في يسار صدورنا، لكَ وطن”، بعد ذلك نقول: يبدو الآن واضِحًا وبالألوان الطبيعيّة، أكثر من أيّ وقتِ مضى، أنّ عرب الاعتدال، وفق المُعجم الإمبرياليّ والصهيونيّ، باتوا عرب التطبيع مع إسرائيل، فيا أعضاء جامعة الدول العربيّة، لا نُطالِبكم بإعادة سوريّة إليكِم، ولكن على الأقّل، بعد رفضكم إدانة التطبيع مع الكيان العبريّ، اجتمِعوا، يا أصحاب الفخامة والجلالة والسمو، اجتمِعوا، واتخذوا القرار الصائِب بالإعلان رسميًا عن وفاة لاءات الخرطوم (لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف)، مُتممةً واجباتها، فهذا أضعف الإيمان، وليس فقط من باب “إكرام الميِّت دفنه”.

كاتبٌ عربيٌّ من فلسطين

أقلام حرة

المصدر: زهير أندراوس

الخميس 24 أيلول , 2020 01:29
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2020 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي