مفكّر مصري: قمة العلا.. قمة الانقلاب الإستراتيجي في الإقليم.. الجزء الأول والثاني
مفكّر مصري: قمة العلا.. قمة الانقلاب الإستراتيجي في الإقليم.. الجزء الأول والثاني

بقلم : أحمد عز الدين

-الجزء الأول-

يعتريك إحساس بالمهانة وأنت تتابع مضطرا بعضا من هذه التعليقات, التي تجري على ألسنة أكثر الوجوه حضورا مستداما على شاشات الإعلام المصري, حول القمة الخليجية ( قمة العلا ) فقد يبدو لك أن مصر قد غدت بدنا بغير قلب, وأن عليها أن تصمت دون تعليق على ما يبدو جحودا بدورها, وطمسا لرسالتها, واستلابا لأمنها, ونكرانا لما حملته فوق أكتافها, وهو فوق الطاقة والاحتمال.

لقد بذل أحد مقدمي البرامج الرئيسية وهو رئيس لتحرير إحدى الصحف, جهدا محموما ليروج لرسالة زائفة عن نتائج أعمال القمة, فقد عزا بعض المعلومات التي انتشرت في بعض وسائل الإعلام إلى غياب البيان الكامل للقمة, الذي انفرد بحضوره معه, مدللا على مكانة مصر كما انعكست في البيان بفقرة يتيمة, اختصها به متجاهلا 116 فقرة أخرى تضمنها البيان, معتبرا أنها مجرد محددات للسياسة الخارجية لدول الخليج التي لا شأن لمصر بها, وهو أمر أحسب أنه يخرج من حدود التجهيل والتزييف, إلى حدود التبعية الفكرية والإعلامية.

لماذا؟

أولا : من واقع البيان الكامل نفسه, فإن الفقرة المذكورة التي تناولت شيئا عن مصر, جاء ترتيبها في فقرات التقرير برقم 98, وقد استبقتها 97 فقرة, لم تخلو دولة في الإقليم أو حول محيطاته الممتدة غربا وشرقا من ذكرها, بما في ذلك حتى الإشادة والترحيب بتمدد الدور البريطاني الاستعماري عسكريا في أنحاء الإقليم, وإذا كان التقرير من أوله إلى آخره يتضمن 117 فقرة, فإن وضع مصر في هذا الترتيب لا يعطي انطباعا إيجابيا بالمرة, لما يراد لمصر وزنا ودورا ومكانة.

ثانيا : أن الفقرة اليتيمة المذكورة نفسها, التي تم الاستدلال بها على ما منحه البيان لمصر من إشادة ودعم واستقرار, تضمنت في صلبها إشارة إلى الموقف من سد النهضة, وهو موقف مجرد من أي دعم, ومناهض لأي استقرار, فلم يغسل النص يد دول الخليج من أي مسئولية قومية تجاه موضوع السد فحسب, بل غسل ألسنتها أيضا, فقد ساوى بين أطراف الأزمة, بين الحقوق التاريخية الثابتة وبين العدوان عليها, ولم يجد ما يشيد به غير أدوار مبهمة للحل, لا تبدو قائمة ولا هي موصولة به أو بها.

مع ذلك فإنني أريد أن أبدأ من النظرة الكلّية قبل الدخول في التفاصيل, أي من ( تقدير الموقف ) الخاص بالقمة كما أراه, وهو أن القمة تمثل توجها مدروسا لاستكمال عملية الانقلاب الاستراتيجي الشامل في أوضاع الإقليم بمراحلها المتتالية والتي بدأت بضرب العراق, وأنها تمثل تحديدا قمة الإستراتيجية الغربية المضادة للإقليم, وليس في ذلك أي قدر من المبالغة أو المزايدة, رغم كل تلك التعليقات والتحليلات والبيانات البائسة التي سعت بسوء نية أو بسوء فهم أو بهما معا, إلى تسكين القمة في إطار دائرة محدودة مغلقة هي ( المصالحة ) مع قطر.

ربما لذلك يبدو إجلاء التوجه الإستراتيجي للقمة أكثر وضوحا وتحديدا مما تضمنته المفردات الصريحة في بيانها, إذا رصدنا بعضا من البنود الهامة التي اختفت من البيان, أو ( المسكوت عنه ) في البيان بلغة منهج آخر :

أولا : لم يشر البيان لا بالتصريح ولا بالتلميح ولا بالرمز, إلى الاحتلال والتواجد التركي في أي من الدول العربية, فهو لم ير أثرا له في ليبيا, ولا قواعد له في شمال العراق, وكما تعامى غن قاعدة عسكرية تركية جرى مضاعفتها مساحة وجنودا مرتين في قطر, فقد غض البصر تماما عن قواعد الاحتلال العسكري التركي في سوريا, سواء في غرب الفرات أو في شرقه.

ثانيا : لم يتضمن البيان إشارة واحدة ولو مضمرة إلى نزعة التوسع التركي في الإقليم, سواء باستخدام القوة العسكرية, أو التهديد أو التلويح باستخدامها, بما في ذلك التوسع في توظيف واستخدام التنظيمات والعناصر الإرهابية وصولا إلى دوره في إثارة التوتر وإشعال فتائل المواجهات العسكرية في شرق المتوسط.

ثالثا : عندما أدان البيان الإرهاب فقد عمد إلى أن يدين إرهابا لا اسم له, ولا كيان له, ولا مكان لتواجده, فهو إرهاب فضفاض, ولهذا فالمسمى الوحيد الذي يمكن أن يطبّق عليه الوصف, وتتم بشأنه الإدانة هو المجموعات الإيرانية المسلحة التي تساند الجيش السوري في مواجهة الفصائل الإرهابية هناك, أما هذه الفصائل الإرهابية ذاتها التي تتشارك في تدمير سوريا وتحطيم كيانها وقتل شعبها, سواء جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام أو غيرها, فلا مسمى لها ولا توصيف ولا تحديد ولا إدانة.

والأمر نفسه فيما يتعلق بالفقرة اليتيمة التي نطق البيان بها باسم مصر, فلا فصائل إرهابية قرب حدودها الغربية, ولا إرهابا منظما تواجهه في شبه جزيرة سيناء, لا مكانا ولا اسما ولا كينونة, ربما خشية أن تُستدعى قطر أو تركيا أو غيرها إلى جملة مفيدة في حدود التحديد أو الإدانة.

رابعا : سكت البيان سكوتا مطلقا عن جماعة الإخوان المسلمين, فهذا الكيان المسمى بهذا الاسم لا وجود له, ولا حضور له في البيان, وكأنه ليس جزءا عضويا من دراما العنف والإرهاب باتساع الإقليم وعمقه.

ولهذا لا تستطيع أن تجد تفسيرا خارج هذا النطاق لصدور بيان تركي مؤيد لبيان القمة, ولصدور بيان تال من حماس مؤيد له, بل وفي صدور بيان من جماعة الإخوان المسلمين باستعدادها لمصالحة مشروطة مع الدولة المصرية, وكأن الطريق قد أصبح مفتوحا أمامها بالقوة الخليجية التركية.

خامسا : ليس ثمة اشتباك لفظي واحد في البيان مع كائن مازال يتنفس اسمه الجامعة العربية, باعتبارها التعبير المؤسسي عن النظام الإقليمي العربي, بل ولا إشارة حتى إلى هذا النظام مع تغييب الجامعة, فالبيان لم يتجاهل فقط الجامعة العربية, ولكنه تجاهل كليا النظام الإقليمي العربي, وكأن المجموعة الخليجية قد أصبحت وحدها الوريثة الوحيدة لهذا النظام وبديله ومرجعيته الحاكمة, وضابط توجهاته, وما دون ذلك فعليه أن يتقبل راضيا تهميشه وإلغاء دوره, والشطب على مكانته.

لماذا يبدو الخليج إذا بقمته وبيانه كأنه غدا كوكبا منفردا يستدير في اتجاه آخر؟

هل ذلك ما ينطق به ما أُ­­­سمي المصالحة مع قطر, لا أحسب الأمر كذلك, وحتى إذا اعتبرنا كلمة المصالحة, هي تعبير جانبي عن الحالة, فإن المصالحة جوهريا ليست مع قطر, وإنما مع تركيا ومعها كل توابعها, بما في ذلك قطر ذاتها, في إطار المرحلة الأخيرة في الإستراتيجية الأمريكية.

-الجزء الثاني-

لقد تساءلت في الجزء الأول, لماذا يبدو الخليج بقمته كأنه غدا كوكبا منفردا يستدير في اتجاه آخر, وقلت أننا حتى إذا اعتبرنا كلمة المصالحة هي تعبير عن الحالة, فإن المصالحة جوهريا ليست مع قطر وإنما مع تركيا, لكن الإجابة على هذا النحو تبدو ناقصة, فلك أن تلاحظ أنه رغم هذا الاستدراك الإماراتي المتكرر حول المصالحة مع قطر, فإن الخطاب الرسمي الإماراتي قد أعاد تلوين مفرداته ترحيبا وتطبيلا لتركيا، فتركيا بالنص ( شريك ولا يوجد بيننا عداء ) و ( السياسة الخارجية التركية فاعلة وبناءة ) ثم أن ما أحاط بتركيا من قبل ومن بعد يمكن أن يعطيك رؤية أكثر وضوحا لقوة دافعة أمريكية بالدرجة الأولى، وغربية تابعة بالدرجة الثانية, لبعث جديد لدور قيادي تركي في الإقليم, وبتحالف مكين مع إسرائيل, فالبيان التركي ذاته علق نصا بالقول ( إن أنقرة شريك حقيقي لمجلس التعاون الخليجي ) ولك ألا تندهش أن بريطانيا التي أشاد بيان القمة بتمددها الاستعماري في الإقليم العربي, قد وقعت اتفاقية تجارية مع تركيا في التوقيت ذاته, وأن فرنسا توافقت مع تركيا على تجهيز ملف للحوار, والتفهم المشترك, وليس لك أيضا أن تندهش لأن تركيا نفسها استبقت القمة بأيام ووقعت مع إسرائيل بعد مباحاثات مطولة اتفاقية لزيادة التبادل التجاري بينهما, من 7 مليار دولار إلى 10.5 مليار دولار, على أن تكون الزيادة محصورة في قطاع التكنولوجيا, وليس لك أن تندهش أيضا من تحرك ملك الأردن ورئيس وزراء لبنان المرشح في اتجاه مباحثات ولقاءات واتفاقيات مع تركيا, فالسعي إذا ليس سعيا خليجيا, ولكنه في صورته العامة مدروسا وموجها, بل ومفروضا, وقد تم الاندماج فيه بتوجهات فردية الطابع كما تبدو, ولكنها ليست كذلك, فقد حظى باستحسان وغبطة خليجية.

لقد صدر في أعقاب القمة قرار من إدارة ترمب باعتبار جماعة الحوثيين جماعة إرهابية, والقرار فيما أحسب ليس منفصلا عن التوجه الاستراتيجي الأمريكي الذي مثّله بيان القمة.

لقد قلت من قبل أن إسرائيل متورطة حتى النخاع في الحرب على اليمن منذ البداية, فالمعلومات تشير أن القنبلة النيتروجينية التي ألقيت على جبل (نقم) في 29 مايو 2015, قامت بها طائرتان إسرائيليتان من طراز أف 16, وأن هناك سربا إسرائيليا انضم إلى العمليات في اليمن منذ ذلك التاريخ, وقد شن أول عملياته على معسكر للتدريب في تعز, بل إن القناة العاشرة الإسرائيلية هي التي قدمت اعترافا مبكرا بأن إسرائيل شريك أساسي في الحرب على اليمن, وتضمن اعترافها المشاركة بعدد 42 طيارا إسرائيليا وبعسكريين شاركوا في عدة محاور على الأرض, كان أهمها في باب المندب وفي المخا, إضافة إلى 70 خبيرا عسكريا وفنيا شاركوا في إدارة غرف العمليات.

غير أن رئيس الأركان الإسرائيلي ( أفيف كوخافي ) تحدث مؤخرا عن الخطر الذي تواجهه إسرائيل مما أطلق عليه ( الدائرة الثانية ) وهو ما تم تفسيره بأنه إشارة إلى اليمن وسوريا, وفي أعقاب إعلان وزير الخارجية الأمريكي عن اعتبار جماعة الحوثي جماعة إرهابية, تأكدت معلومات عن أن الولايات المتحدة, قد شرعت في بناء قاعدة أمريكية في جزيرة ( ميون ) اليمنية المطلة على باب المندب, وقد فسرت ( يديعوت أحرنوت ) موضوع القاعدة بأنها ( من أجل حماية المصالح الأمريكية والإسرائيلية ) بينما أكد المصدر نفسه أن ( هناك مصلحة مباشرة لإسرائيل في الحرب في اليمن خاصة بعد التطبيع بين أبوظبي وإسرائيل بشكل علني ).

لذلك هل يعني القرار الأمريكي الخاص بالحوثيين فتح آفاق قد تبدو مشروعة بموجبه لانتقال الدور الإسرائيلي في الحرب على اليمن إلى العلانية كما هو الحال في سوريا؟.

يبدو لي مع ذلك, أن الأمر ليس مرتبطاً بالدرجة الأولى بدور علني لإسرائيل في اليمن, وإنما يتعلق بدور تركي في اليمن, ( إضافة إلى دور تركي في لبنان ), فنصف قيادات الإخوان المسلمين أو حزب الإصلاح الذي يسيطر على الحكومة اليمنية في السعودية موجود في تركيا, وهناك قوات تركية بالتأكيد وإن كانت محدودة تشارك في الأعمال العدائية فوق الأراضي اليمنية, فضلا عن ارتباط أعداد من الإرهابيين المستأجرين من قبل الإمارات, الذين يعملون على الإمساك بالسواحل الجنوبية والغربية لليمن ليسوا بعيدين عن أصابع تركيا وعلى دور إسرائيلي تركي خليجي في القرن الأفريقي, وفي استنهاض أثيوبيا كدولة إقليمية عدوانية, ولا عن ذلك الجسر المتوهم بين اليمن والقرن الإفريقي تحديدا في جيبوتي, ولا عن حصار مصر في المنتوج النهائي بين أقواس نيران ممتدة من المتوسط إلى البحر الأحمر.

أما إسرائيل نفسها فقد سرب جهاز الموساد قبيل انعقاد القمة بأيام معدودة وثيقة خاصة به, تدور حول عوائد ( المصالحة ) بالنسبة لإسرائيل, وقد لا يلفت النظر في وثيقة الموساد من بين ما اعتبرته (( منافع )) لها, تأمين قطر لاحتياجات إسرائيل من الغاز المسال, أو آفاق التعاون الإسرائيلي القطري في الطيران والسياحة, أو حتى في المجال الأمني, خاصة الأسلحة والتكنولوجيا الإسرائيلية كما تقول الوثيقة, لأن ما يلفت النظر حقا في قلب الوثيقة وبنصها أنها ( ستؤدي بالمنافع إلى إسرائيل حيث من المتوقع أن تؤدي إلى جسر مع معسكر الإخوان المسلمين ).

لقد كتب أحد الأصدقاء متسائلا عما إذا كان انتقال رئيس وزراء لبنان المكلف فجأة إلى تركيا للقاء مع أردوغان يمكن أن يكون اختراقا, وأنه قام بنقل البندقية من الكتف السعودي إلى الكتف التركي؟ ورغم وجاهة السؤال فالحقيقة أن الأمر يبدو لي مجرد خداع نظر, فهل يعني ذلك أن الرجل لم ينقلها من الكتف السعودي إلى الكتف التركي, وإنما أن الكتف السعودي نفسه ومعه البندقية قد انتقل إلى الكتف التركي, لكن الأمر يبدو لي أيضا مجرد خداع نظر, فالحقيقة أن العمق المحتقن يبدو أكثر وضوحا مع ما تسرب من قرار لترمب بدمج إسرائيل ومن تحتها كافة توابعها في الإقليم في هيكل القيادة العسكرية الأمريكية الموسعة في الشرق الأوسط, وهو ما يعني أن هذه الأكتاف كلها ومعها البندقية, قد انتقلت إلى الكتف الإسرائيلي!.

أقلام حرة

المصدر: أحمد عزالدين

السبت 16 كانون الثاني , 2021 04:08
تابعنا على
أخبار ذات صلة
محمد صادق الحسيني: إيران تسعى لجبهة عالميّة مناهضة للاستعلاء الأميركيّ…
ما دلالات انفجار السفينة “الإسرائيليّة “في خليج عمان وتداعياته؟
حتى نكون رحمة للعالَم.. أو حتميَّة إعادة بِناء مفهوم الكفر في الإسلام
ابراهيم طه الحوثي: إدارة بايدن تمارس التضليل الاعلامي والسياسي وتلعب باوراق الشيطان.. العدوان على اليمن يمضي باسلوب ابتزازي للسعودية ودول الخليج
كوابيس جو بايدن السورية.. زمن نجاد والأسد قد يعود هذا الصيف ..
ابراهيم طه الحوثي: حلم ابن سلمان بعرش المملكة السعودية ذهب مع الريح ..
الحلم المغدور والإمارة الوهابية.. “داعش من النجدي إلى البغدادي.. نوستالجيا الخلافة” .. الجزء الثاني
قمة الإنقلاب الإستراتيجي في الإقليم.. الجزء السادس
تحالف لا عربي بالسعودي ينتحر وتحالف لا إسلامي بالتركي يتأهب ببريطانيا بعد أمريكا.. وردع الإنجليزي التركي مطلوب و “بن عمر” يدعو إلى قرار أممي مُسبق الدفع بميدان يمن الإيمان
اليمن مقبرة الأساطير العسكريّة والاستخباراتية
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2021 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي