دراسة بحثية طالب المدعي العام السعودي بإعدام المفكر حسن بن فرحان المالكي لأجلها.. المثقف العربي واغتيال الرسول.
دراسة بحثية طالب المدعي العام السعودي بإعدام المفكر حسن بن فرحان المالكي لأجلها.. المثقف العربي واغتيال الرسول.

بغياب المفكر والباحث أ. حسن بن فرحان المالكي - فك الله اسره- نقوم بنشر اخر المواضيع التي قام بها حضرته بتغريدها على التويتر, نقوم بإعادة نشر ما تفضل به من فكر وبحوث.

--المثقف العربي واغتيال الرسول.. الجزء الأول

المثقف العربي مغطى بثوب السياسة، غاية ما يستطيعه التعميه والتمويه؛ خائف مرعوب، ومصنوع لغير هدفه؛ فما سبب ذلك؟

المثقف العربي هو ابن الثقافة الفقهية؛ تمت صناعته من قديم، بحيث يخفي أكبر الحقائق، ويظهر أخفى الدقائق، تبعاً للسلطة بمفهومها العام والخاص.

الكلام عن اغتيال الرسول صلوات الله وسلامه عليه وآله، هو حديث الناس بكل طوائفهم (سنة/ شيعة/ ..)؛ ولكن لماذا يهجره المثقف؟ لأنه حقيقة كاشفة!

المثقف العربي كالفقيه العربي، يتجنب الكلام في المسائل التي يمكن أن تخرج العقل من غفوته الطويلة، يحب الكلام في التجريد والتفصيل؛ يحب العيش..

المثقف العربي يبحث كل شيء إلا نفسه؛ كل ثقافة إلا ثقافته؛ كل عظيم إلا نبيه؛ فقد استولى الفقيه المصنع على الأمر وأنتج الخفة في جميع الاتجاهات. المثقف العربي خائف مرعوب من القرون الأولى؛ ففوق المثقف فقيه؛ وفوق الفقيه أوهام وأموال وعامة؛ وفوقها شيطان حريص مفاصل العقل والفؤاد.

كنت أقرأ هذه الأيام عن كتاب (أيام محمد الأخيرة) للتونسية هالة الوردي، وقرأت معاتبات لبعضهم لمثقفي تونس الكبار؛ أين هم من تناول هذه الحادثة؟

المثقف التونسي أو السوري أو السعودي أو اليمني أو العراقي .الخ لا يستطيع غالباً أن يحلل هذا الحدث؛ سواء محاولات اغتيال النبي أو موته مسموماً؛ وأسباب تجنب بحث هذه الحادثة هو ظن المثقف أن هذا أمر لا ينفع ولا يضر، وأنه من فضول البحث، ويثير العامة، وربما يتشابك مع الطرح الشيعي ..الخ؛ لكن؛ تصوروا لو أن المثقف الغربي - لا العربي - هو من وجد (دلائل وقرائن) على هذا الأمر، ألا يثيره هذا الأمر، ويدرس إمكانية وقوعه والأثر العظيم له؟

المثقف الغربي يقدر الأحداث الاستثنائية - كقتل رسول أو فيلسوف - لأن الحدث بذاته هو تاريخ لما قبله وما بعده، بينما المثقف العربي فقيه عربي فقط؛ وعندما أقول المثقف العربي أقصد كل ناطق بالعربية وتحت سلطة عربية؛ وكذلك الفقيه العربي هو عربي اللسان المتأثر بالسلطة العربية القديمة.

المسلمون متفقون على أن النبي صلوات الله وسلامه عليه وآله تعرض لمحاولات اغتيال في حياته، وشبه متفقين أنه قضى باغتيال عبر السم). وماذا بعد؟

المشكلة أنهم يقفون هنا فقط؛ أنه تعرض لمحاولات اغتيال (أشهرها في آخر حياته بعد تبوك سنة 9 ومن مجموعة ناس)؛ ثم إنه مات بالسم سنة 11؛ وبس!

لو كان نبينا صلوات الله عليه في أوروبا وحصلت له هذه القصص - محاولات الاغتيال في حنين وتبوك وهرشا أو الموت بالسم - كيف سيبحثها الغربيون؟

سر قوة الباحث الغربي أنه يبحث بعيداً عن الخوف والعصبية؛ يبحث كفرد لا كطائفة؛ يعشق المعاناة في البحث عن الحقيقة؛ ويحسن طرح الفروض والأسئلة؛ الباحث العربي هو طائفي بفطرته؛ قد يفارق الإسلام ولا يفارق المذهب؛ فللمذهب عاطفته؛ كأنه أحد الوالدين؛ يبقى ما تعلمه في المدرسة جزءاً من عاطفته؛ لذلك؛ فالباحث أو المثقف العربي سريعاً ما يبرر لنفسه ما يرغبه؛ والاكتفاء بالنتقاء مما تعلمه؛ قد يرفض بلا دليل؛ ويقبل بلا دليل؛ ليس مؤسساً..

أول أساس يجب أن يكون عليه المثقف العربي هو العلم بالتاريخ من أصدق المصادر؛ وهو القرآن الكريم؛ المثقف العربي هنا كالفقيه؛ ممنوعان من ذلك. وبما أن الفقيه المصنع والمثقف المقنع؛ كلاهما ممنوعان من اعتماد القرآن كمصدر موثوق في معرفة الخطوط العامة لسيرة النبي محمد؛ فلا أمل فيهما. وهذا المنع ليس بالضرورة أن يكون من سلطة قائمة؛ ربما معظمها نتيجة رقابة داخلية لحماية الرموز التي أحبها من أيام الابتدائي؛ أو تبرير عجز.

وهذه الرقابة الذاتية الداخلية النفسية العاطفية تلحظها كثيراً في أقوال الفقهاء (الفقيه بمفهومه الواسع الذي يشمل المؤرخ والعقائدي والمحدث)؛ تلحظها في تحليلاتهم عندما يأتون لتفسير بعض المواقف التاريخية؛ بل تلحظها حتى على مستوى الألفاظ؛ فهم يراقبون العاطفة لا حقيقة المعلومة؛ مثال دقيق من مراقبة الفقيه القديم الألفاظ: ألا تلاحظون أنهم عندما تأتي الفضائل يقولون (الصحابة)؟ وإذا أتت المثالب يقولون (المسلمون)؟

أوضح أكثر؛ هل سمعتم أو قرأتم لأحدهم يقول عن يوم أحد أو حنين.. (فر الصحابة)؟؟

كلا؛ إنما تجدون: (فر المسلمون)!

ليش؟

إنه العمق العاطفي! إذا كان هذا العمق العاطفي في الألفاظ فقط؛ فكيف بتحليلهم للأحداث والمواقف والارتدادات التي نطق بها القرآن الكريم؟ هذه قصة أخرى أكبر وأظهر.. الفقيه العربي والمثقف العربي ضعيفان جداً؛ ضعيفان أمام العواطف الموروثة؛ وخاصة تلك المعلومات التي لها العاطفة التي تشبه تلك العاطفة للوالدين ؛ الغربي ليس كذلك.

أنا أتكلم هنا عن اللفظ؛ لا عن الاعتراف الضمني؛ لماذا يقولون : فر المسلمون ولا يقولون فر الصحابة؟! فقط. أثر العاطفة في اختيار اللفظ.. فقط. ونحوه كلامهم عن (منافقي الأنصار)؛ ولا يذكرون (منافقي المهاجرين)؛ هذا أيضاً من الأثر العاطفي المتولد من الأثر السياسي؛ والنفاق في هؤلاء وهؤلاء.

--المثقف العربي واغتيال الرسول.. الجزء الثاني

اغتيال رسول أرسله الله رحمة للعالمين يعني ماذا؟ يعني اغتيال الرحمة؛ اغتيال الصدق؛ اغتيال العدل.. الخ؛ المثقف - وخاصة المثقف المسلم - الذي لا يرى في اغتيال الرسول اغتيالاً للرحمة المهداة فليس مثقفاً، ولا يعمل على إنعاش العقل للتساؤل. حدث يسير قد يكون سبباً في تغيير مسارك كله؛ فكيف إذا ما ثبت أن النبي صلوات الله وسلامه عليه وآله تم اغتياله؟

افترض جدلاً أن ابن مسعود صادق؛ سأنقل هنا للمثقف شيئاً من الخبر ثم نتبعه بالتحليل؛ أما الفقيه فهو يعلم هذه الأخبار التي سأنقلها، لكنه ميؤوس منه؛ لكن المثقف غالباً لا يدري؛ مثلاً؛ خبر واحد صحيح السند - وتحفه أدلة أخرى صحيحة وقرائن -

لنأخذ الخبر أولاً، كمفتاح لما قبله وما بعده؛ هكذا يبحث المثقفون الغربيون الخبر:

روى الإمام أحمد بن حنبل في المسندت شاكر (4/ 66): حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن عبد الله ابن مُرّة عن أبي الأحوص عن عبد الله ابن مسعود قال: (لأن أحلف تسعاً أن رسول الله قُتل قتلاً أحبّ إلى من أن أحلفَ واحدةً أنه لم يقتل وذلك أن الله جعله نبيّا، واتخذه شهيداً ... قال الأعمش: فذكرتُ ذلك لإبراهيم (يعني النخعي)، فقال: كانوا يُرَوْن أن اليهود سَمُّوه وأبا بكرٍ) اهـ

هذا النص ماذا يرى فيه المثقف؟

الفوائد والأسئلة:

1- السند كما يقواون صحيح، والرجال ثقات وهم يملؤون الكتب الستة، والحديث على شرط الصحيح، وأحمد أقدم من البخاري ومسلم.

2- ابن مسعود الصحابي الكبير يحلف أن الرسول قتل قتلاً فكيف؟

الجواب المتبادر والراجح أنه قتل بالسم، وهذا مروي في الصحيح أيضاً؛ ولكن كيف؟

يقولون - كما في الصحيح- أن ذلك السم من أثر الشاة التي سمتها اليهودية أيام خيبر سنة 7 هجرية! والأسئلة هنا:

- هل يبقى السم أربع سنوات؟

ألم يقولوا بأن الحسن بن علي لا يمكن أنه مات بالسم لأن السم لا يبقى أربعين ليلة، فكيف بقي السم في رسول الله أربع سنين؟

لماذا التناقض؟

ثانياً: ألم يقولوا بأن المرأة أرادت اختبار صحة النبوة، فإذا كان النبي نبياً حقاً فلا يؤثر فيه؛ وإذا كان مبطلاً سيؤثر فيه! وهاهو قد أثر فيه؛ ثم ألم يقولوا ما هو أبلغ؛ بأن كتف الشاة كلم رسول الله وقال أنا مسموم؛ وأن الرسول لم يأكل منه؟ فكيف يزعمون أنه قطع أبهره بعد أربع سنوات؟ أنا أذكر الأخبار دون توثيق للاختصار؛ وأما عند التطويل فسنكشف اضطراب الرواة وتناقضهم وأسباب ذلك، والأهداف من هذه الأقوال.. ومن رواها؟ لكن؛ لنبقى في قول عبد الله بن مسعود... لم ننته منه بعد..

طيب؛ افترض أن النبي تم قتله بالسم، وبطلت تلك الأقوال التي تربط السم بشاة اليهودية.. هنا؛ من هو المتهم بسم النبي صلوات الله عليه وآله؟ هل نذهب إلى اتهام بعض الصحابة أم أن اليهود حاولوا مرة أخرى عن طريق المنافقين؟ ايش القصة؟!

هكذا منهج الباحث أو المثقف الغربي، لا يمل من فرض الفروض؛ ثم اختبارها وجمع دلائلها ثم الموازنة بينها ..الخ، وقد يوصلك لنتائج مذهلة صاعقة؛ أما المثقف العربي فهو كالفقيه العربي، يكون قد درس في الصف الخامس ابتدائي والثاني متوسط والثالث ثانوي أشياء حلوة لا ينبغي التفريط فيها.. وقد يتعالم بعضهم ويقول : عبد الرزاق شيخ أحمد فيه تشيع وربما كذب؛ والجواب؛ أنه قد توبع من سلفي فيه نصب وهو أبو معاوية الضرير، وروى ذلك أحمد عنهما؛ ونص أحمد الآخر في مسند أحمد ت شاكر (3/ 514)؛ حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مُرَة عن أبي الأحوص عن عبد الله (ابن مسعود) قال: لأن أحلفَ بالله تسعاً إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قُتل قَتْلاً أحبُّ إلي من أن أحلف واحدةً... الحديث. ورواه أحمد عن شيخه عبد الرحمن بن مهدي أحد أساطين السلفية في القرن الثاني؛ ففي مسند أحمد(4/ 155) حدثنا عبد الرحمن عن سفيان.. بالسند والنص؛ فلا داعي لحذلقة الفقهاء بالتشكيك في النصوص والمزايدة على أحمد والثوري وأمثالهم؛ كما لا داعي لطاعة المثقفين لهم في كل شاردة وواردة ..

هنا نجد أن المعقول جداً:

أن النبي مات بسم جديد، ولا دخل لشاة تلك المرأة بخيبر؛ والسؤال:من الذي أراد التغطية على السم الجديد بشاة خيبر؟ الجواب عندي واضح؛ هي رواية أموية من طريق الزهري عن عروة عن عائشة؛ وقراءة سير الرواة وخاصة الزهري وعروة سيكشف الأمر بسهولة؛ لكن أين الباحثون؟

أيضاً روى أخرون روايات أخرى من طرق الزهري وعروة وأبي هريرة في صرف السم إلى شاة خيبر، وقد أتعبت شراح الحديث لتناقضاتها التي ذكرناها سابقاً؛ وبعض الروايات تؤكد أن (أبهر النبي) قطع! ولا أشك أن للمنافقين دوراً في هذا اللفظ لتتحقق الآية (لقطعنا منه الوتين)؛ وفي الناس سماعون لهم.

نتيجة قصة خرافة الشاة الخيبرية أن النبي ليس نبياً؛ فقد أماته ذلك السم وفق شرط تلك اليهودية؛ أو أنه يتقول على الله فعاقبه بقطع الأبهر.. الخ؛ بل بعض تلك الروايات تلقن النبي كالرواية المنسوبة لأم مبشر؛ (يا رسول الله ما تتهم بنفسك، فإني لا أتهم إلا الطعام الذي أكل معك بخيبر)!

طبعاً كان الجواب الذي وضعوه على لسان النبي (وأنا لا أتهم غيره)!!

أي اتهام الطعام نفسه مع أنه لم يأكل منه؛ وقصة الشاة برمتها مضطربة ضعيفة؛ وكأن استنطاق النبي - ولو بعد موته - كافياً في صرف النظر عن اتهام أي من المنافقين الموجودين حوله، فإن لكل نبي بطانتين، بطانة خير وبطانة شر. وحديث البطانتين صحيح أيضاً عند أهل الحديث على شرط الصحيح؛ وله حاضنة قرآنية؛ وهي (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن .. الآية)؛ ومن سنة الله أن يبقى الشر كما الخير، وكذا الباطل كما الحق؛ لتتحقق سنة الله في الابتلاء والتمحيص الذي يرفع من مستوى العقل النوعي للإنسان؛ فإن العقل بلا تساؤل ولا تمحيص ولا فتنة ولا ابتلاء، سيبقى خاملاً معطلاً أحمق ( أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون)؟

كلا. الباحث المثقف يقوم بأربع خطوات:

1- جمع كل المادة العلمية.

2- تصنيفها.

3- استخلاص العبر منها.

4- الشجاعة في طرحها.

كلها يفتقدها المثقف العربي؛ المثقف العربي كالفقيه العربي يمشي بالبركة؛ لا تهمه المعلومة؛ ولا يجهد نفسه في جمعها؛ ولا يتساءل؛ مع أمن كامل من الأعداء الذين حذر الله منهم. ومن أبرز الأعداء المنافقون لقوله (هم العدو فاحذرهم)؛ ليس هناك حذر أبداً؛ فانتشرت مرويات أهل النفاق وتسيدت وبقي النبي مظلوماً حياً وميتاً.

ثم؛ ألا تلاحظون أن قصة الشاة الخيبرية كل رواياتها شامية؟ ومن رواة مرتبطون وظيفياً ببني أمية؟ صحيح أنهم يروونها عن حجازيين؛ لكنها كلها شامية؛ بل كثير منها أصله من مراسيل عمال بني أمية على المدينة، أو بعض التابعين الذين ذكر المعتزلة أنهم من جملة من رضخت لهم الرضائخ - أي الأموال .

الخلاصة: الراجح ما ذكره عبد الله بن مسعود وغيره بأن النبي مات شهيداً مسموماً؛ ولكن شاة خيبر - لو حصلت – لا دخل لها بموته؛ وسنتناولها في الجزء الثالث.

--المثقف العربي واغتيال الرسول.. الجزء الثالث

من أعجب الروايات تلك التي تخبر أن النبي مات من سم يهودية حصل له قبل أربع سنوات! كثرة الروايات المتناقضة في شاة اليهودية يدل على أنه تم تسميم النبي من المنافقين في المدينة، وفي الناس سماعون لهم؛ فأشاعوا قصة الشاة الخيبرية.؛ والتناقض والنكارة في المتون والأسانيد لا يدركه المثقف العربي لأنه واقع تحت دعاية كبيرة؛ وهي (الجرح والتعديل)؛ وكأنه عندهم في دقة علوم الذرة! بينما المثقف الغربي ينظر إلى المتون قبل الأسانيد من حيث تناقض القصة في كل شيء؛ ويستنتج منها أموراً أكثر فائدة وأعمق خطراً وأدل على للحقائق. فالأحاديث في قصة شاة المرأة اليهودية المسمومة التي يزعمون أن النبي مات منها متناقضة جداً ، سألخص ذلك في أرقام ثم أفصل لاحقاً.

أولاً: من الروايات من تقول أن النبي أكل منها، ومن الروايات من تقول أن كتف الشاة أخبره أنها مسمومة، وهذا تناقض.

ثانياً: إذا كان كتف الشاة قد أخبر النبي بأنها مسمومة؛ فلماذا أكل منها؟ هل يريد الرواة أن يقولون أن النبي قتل نفسه؟ وألقى بنفسه إلى التهلكة بعد أن علم أنها مسمومة؟

ثالثاً: إذا كان النبي لم يخبره كتف الشاة، فهل يريد الرواة أن يقولوا بأن النبي كان ملكاً لا نبياً؟ لأن حجة المرأة اليهودية أنه إذا كان نبياً؛ فلن يضره اسم، وإذا كان ملكاً (يعني كاذباً) فسيضره!!! ويقولون ( لقد مات من ذلك السم)؟؟؟

احذروا أحاديث المنافقين؛ ففي المسلمين سماعون لهم!

رابعاً: قالوا أن التي أهدت لرسول الله الشاة المسمومة يهودية قد قتل النبي بعض أهلها؛ فهل يعقل أن يأمنها النبي؟ مع ما عرف عنهم من صناعة السم؟

خامساً: ثم اختلفت الروايات في الذي أكل مع النبي من هو؟ فاضطربوا في اسمه، فمرة يذكرون رجلاً استشهد ببدر (قبل الحادثة بخمس سنين) ومرة يذكرون رجلاً مات بعده بزمن، ومرة يذكرون ثالثاً ..الخ؛ اضطراب شديد. وكأن المنافقين أكثروا من الكلام في هذه القصة ليدفعوا عن أنفسهم الريبة! ثم اضطربوا في المرأة اليهودية؛ فمن الروايات من تقول : لم يعاقبها النبي؛ ومنها من تقول : قتلها؛ ومنها من تقول: أسلمت؛ ومنها من تقول: صلبت.. الخ؛ ومن حيث التقديم؛ من الروايات من تقول قدمتها المرأة إلى النبي مباشرة؛ ومن الروايات من تقول قدمتها لصفية؛ ومنها من تقول لأصحابه.. الخ؛ ومن الروايات من تقول أن النبي علم وقال: (كلوا باسم الله)؛ ومع ذلك مات منها؛ ثم رووا أن خالد بن الوليد شرب سماً وقال (بسم الله) ولم يصبه شيء!

ومن الروايات من تقول أن أنس بن مالك كان يرى أثر ذلك السم في لهوات رسول الله! كيف يعني؟ كيف يصورون النبي؟ هل رأى أحد منكم لهوات صديقه؟ وبعض الروايات تقول بأن النبي قال (ماكان الله ليسلطها علي)؛ ثم يروون أن أبهره انقطع بسببها ومات لذلك!
دلالات خطيرة أخفها التكذيب للنبي!

بعض الروايات تقول أن المتهم هم اليهود كلهم؛ وأن النبي جمعهم وسألهم فاقروا .. وروايات أخرى تقول ، لا؛ هو من عمل المرأة فقط. وغير ذلك كثير من الروايات والأحاديث التي ينقض بعضها بعضاً، ويظهر لي أن المنافقين قد نشطوا في إشاعة هذه القضية، وفي المسلمين سماعون لهم. بل بلغ من شهرة هذه القصة المتناقضة أنها دخلت في تراث المعارضة، فعند الشيعة روايات أيضاً عن هذه الشاة المسمومة تشبه روايات السنة ؛ والفريقان (السنة والشيعة) لم يحذرا من الثقافة النفاقية كما ينبغي، وإلا لما وجدت هذه الإشاعة في تراث الفريقين وبهذه الكثافة والطعن في النبوة، ففي بعض روايات الشيعة المنقولة - عبر ما اشاعته السلطة فوق منابرها - طعن في النبوة وتناقضاً وأشياء غريبة جداً؛ وبعض الشيعة تنبه لهذا؛ وربما أن للقصة أصلاً، كأن يأكل النبي طبخة يهودي أو يهودية فتذكر ذلك المنافقون، وألبسوها إشاعات تدفع عنهم التهمة. ربما، وإن كان هذا بعيداً..

ومهما كان للقصة من أصل بعيد عن التناقضات؛ إلا أن الأصل أن النبي مات مسموماً شهيداً من سم قريب العهد، قبيل موته بيسير، ولا يعقل أن موته كان بعد أربع سنوات من تناول مضغة من تلك الشاة؛ والعلماء في السموم لا يرون أن السم يبقى هذه المدة؛ وقد استنكر الغلاة موت الحسن بن علي بالسم؛ لزعمهم أن السم بقي في جسد الحسن أربعين يوماً؛ وهذا مستحيل عندهم، فلماذا يقبلون أن يبقى السم في رسول الله أرب سنوات ثم يؤثر فيه ويميته؟ وقصة سم الحسن بن علي صحيحة أيضاً؛ ومن سم قريب، ورواية الأربعين يوماً منكرة، أما النبي فلا يستطيعون أن يقولوا أنها أقل من ثلاث أو أربع سنين؛ ورواية سم الحسن وبقاؤه أربعين يوماً ليست حجة؛ لأنه قد سم عدة مرات من زوجته جعدة وبتخطيط ووعود من معاوية وأبيه فى ما ذكرت الروايات، ولكن الأخيرة كانت أشدهن، ومنها مات الحسن؛ أما النبي فيزعمون أنه مرة واحدة ونهشة واحدة (حتى تعبيرهم بالنهشة فيها إساءة للنبي)؛ فأنصار بني أمية المنافحون عنهم، المبرؤون لهم من اغتيال الحسن بن علي بحجة لأنه لن يعيش أياماً بعد السم، هم الذين يزعمون أن النبي مات بالسم بعد سنين! والذي رجحته أن الفئة التي سمت رسول الله هي نفسها التي سمت الحسن بن علي؛ لكنهم لم يتذكروا أن الحسن بن علي قد أكل في بلاد كانت لليهود! ثم لو افترضنا أن اليهود هم من سموا رسول الله يوم خيبر عن طريق تلك المرأة، فاليهود حلفاء المنافقين، ومن أين علم اليهود أنه يحب أكل الكتف؟ أي من الذي أخبر اليهود - بسند صحيح - أن النبي كان يحب الأكل من الكتف؟ ألم يخبر الله عن علاقاتهما (ها أنتم أؤلاء تحبونهم ولا يحبونكم)؟؟ فرمي التهمة (تهمة سم النبي) على المرأة الخيبرية لن ينجي المنافقين، فهم الذين يحبون اليهود، وهم المتحالفون معهم سراً من أول العهد المدني؛ كما قال الله عنهم في أول سنة بالمدينة (وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي المنافقين إذا خلوا إلى اليهود؛ وإذا خلا بعضهم إلىة بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم.. فالمنافقون متهمون في الحالتين، سواء بقي السم أربع سنوات أو أربع ساعات.

وكون النبي صلوات الله عليه وآله مات مسموماً ليس غريباً، فقد تعرض لمحاولات تصفية جسدية؛ وهي أبلغ، وتكررت هذه المحاولات؛ وأشهرها أربع؛ كانت أشهرهن ليلة العقبة (النفر الأربعة عشر) الذين كتمهم حذيفة بالتصريح وأشار إليهم بالتلميح ، وفقه المؤمنون ذلك ولكن المنافقين لا يفقهون.

أن عدم اهتمامهم بهذه الحادثة العظيمة - وكأنه حدث عادي جداً - ينبيء عن أثر النفاق في ثقافة هذه الأمة، فما هونه المنافقون هونه المسلمون. كما أن المثقف العربي هو ابن الفقيه العربي، في سطحية نظرته للأمور، واطمئنانه للسائد، وإغفاله للعظائم المؤثرة، واهتمامه بالتفاصيل المكررة.

وأخيراً؛ شكرا لكم وعذراً؛ فقد أطلت عليكم؛ لاحقاً سنكمل ونحاول تناول قصة الاغتيال بالسم الأقرب للحقيقة؛ ولا نستطيع التصريح، يكفينا ما كفى حذيفة، ثم في الحلقة الأخيرة سنستعرض آية (والله يعصمك من الناس)؛ وأنها في موضوع آخر غير القتل أو السم، كانت عصمة من المجاهرة بالتكذيب من الناس ؛ومعنى كلمة ( الناس) هنا، وأنها لا تعني كل الناس، إنما ناس مخصوصون، وفق تعدد مدلول الناس مثل (الذين قالهم الناس إن الناس قد جدعوا لكم)؛ فقد كان النبي أمره الله بأن يبلغ أمراً عظيماً عليه مدار الدين ( وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)؛ فخشي أن يكذبه ناس (مخصوصون)؛ فالله عصمه من ذلك!

قصة كبيرة جداً ، غطاها ركام بعض فوق بعض، ما أن تزيل شبهة إلا وأتتك أخرى، وهذه طبيعة الخبيث (ويجعل الخبيث بعضه فوق بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم)؛ القصة كبيرة وعميقة ومتعبة للنفس قبل أن تكون متعبة للآخر؛ ونحن نحاول أن نجرب طريقة الباحث الغربي العلمية لا العربي العاطفية.

--المثقف العربي واغتيال الرسول.. الجزء الرابع

- آية: (والله يعصمك من الناس):

أهل الرواية يستحوذون على المثقف العربي، بخلاف المثقف الغربي الذي لا يكتفي بالمقارنة بين الروايات الصارفة عن الحدث والجمع بين متناقضاتها، بل يستنتج منها معلومة ثالثة مخبأة ربما كانت سبب هذا التناقض.. لذلك؛ لم يفكر المثقفون العرب في إمكانية (اغتيال الرسول) صلوات الله عليه وآله، لأنهم تابعوا تفسير الرواة لآية (والله يعصمك من الناس)؛ والرواة اضطربوا في تفسير هذه الآية كثيراً، سواء من حيث زمن النزول أو المراد بالعصمة هنا أو المراد بالناس أيضاً، ولم يشغل المثفف العربي نفسه ببحث حقيقة ما جرى لرسول الله، وهل فعلاً أنه كان معصوماً من كافة الناس؟ ألم يؤذى؟ ألم يجرح؟ ألم يحاصر؟ ألم يتعرض للسم؟ ألم ..الخ

فالمثقف لا يتذكر أن النبي جرح يوم أحد مثلاً؛ بل لا يتذكر أن الله قال (فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ} [آل عمران: 144]؛ فاحتمال القتل وارد؛ فما معنى العصمة؟ يعصمه من ماذا؟ من القتل؟ أو التكذيب؟ أو السحر؟ أو الأذى؟.. الخ؛ من ماذا بالضبط؟

ثم؛ من هم (الناس) هنا؟ كل الناس أو بعضهم؟

طبعاً البعض يقول : وما الفائدة؟ سواء تم اغتياله بالسم أو قتل أو مات موتاً طبيعياً؛ فما الفائدة؟

أصحاب فما الفائدة ضعفاء عقول فلا تهتموا لهم؛ أصحاب (فما الفائدة) لا يقولونها في (اغتيال النبي من عدمه)؛ يقولونها في التاريخ كله؛ هؤلاء تهمهم الحياة المادية الحاضرة ويعوضون عن كسلهم؛ أو جهلهم بالتزهيد فيما يعجزون عنه؛ (رضوا بالحياة الدنيا) ولا يريدون تصحيح دين ولا اكتشاف خداع ولا كفر مسلم ولا إسلام كافر ..

حياة وبس.

أما العاقل فيدرك أن للتاريخ فائدة، وللوعي فائدة، وللمعلومات الصحيحة فائدة؛ ليس على مستوى الفكر، وإنما على واقع الإنسان كله؛ فالمعلومات المشوهة أو الكاذبة تنتج واقعاً كاذباً أو مشوهاً؛ والمعلومات الصادقة السليمة تنتج واقعاً صادقاً سليماً؛ ولذلك ما نراه من خلل في الواقع هو نتيجة خلل في المعلومات؛ وما نراه من سلامة في الواقع هو نتيجة سلامة معلومات؛ فالمعلومات الصحيحة تنتج عقلاً صحيحاً ثم الواقع؛ لذلك؛ لن نعول على أصحاب (وما الفائدة)؛ لأنهم لا يعترفون بفائدة التاريخ، ولا الوعي ولا أثر المعلومات في صناعة العقل والحياة والواقع. بل أجزم أن تشويه المعلومات أو غيابها أو تشويهها هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه مما لا يخفى على أحد، فالعقل المتسيب الساكن لا يبني شيئاً. ولولا أن بركات العقل الغربي هطلت على المسلمين والعرب - رغم كل القصور - لربما انقرض العرب و المسلمون نتيجة الكسل العقلي والاعتماد على الخرافات والتزيينات والتغطيات المعلوماتية، مما دفع المسلمين لتكدس الأوهام في أسباب الحضارة والتخلف.

لابد من عقل متسائل صادق حريص.

وعلى هذا، فالفروض التي طرحتها سابقاً يجب أن نحاول الإجابة عليها؛ أعني؛ ما معنى العصمة في الآية، ومن ماذا؟ ومن هم (الناس) المقصدودون ..الخ

الآية تقول: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة:67]

هل وقف المثقف العربي على هذه الآية؟ الآية في آخر سور القرآن نزولاً؛ والآية تحدثت عن وجوب (تبليغ أمر)؛ وهذا البلاغ (مادة التبليغ) تتوقف عليه الرسالة كلها؛ والعصمة هنا من ماذا؟

نعيد الآية مرقمة لنحاول أن فهم العصمة:

1-      يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ = المخاطب هنا هو صفة الرسول لا صفة النبي، فهو أمر خاص بالرسالة نفسها.

2-      (بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) أي هناك شيء أنزله الله، ويجب على الرسول تبليغه، وفي آخر عهد الرسالة (فالمائدة أخر السور).

3- (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) عجيب! ما هذا الأمر الذي إذا لم يبلغه الرسول فكأنه لم يبلغ الرسالة كلها؟؟

4- (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ).

أي أن الرسول صلوات الله عليه كان يخشى أن بلّغ هذا الأمر سيعرضه لماذا؟ أي لأي شيء؟ ومِن مَن؟

بمعنى؛ كيف يخشى رسول الله في آخر النبوة من تبليغ أمر ما؛ والجزيرة العربية كلها في يده؟ يخشى من ماذا بالضبط؟ قتل؟ تكذيب؟ اتهام؟ ماذا بالضبط؟ فالله وعد رسوله هنا بالعصمة من الناس؛ من هم الناس؟  ومن ماذا العصمة؟

السياق يدل على أنها عصمة من تكذيب واتهام؛ لا عصمة من أذى أو قتل أو سم. ليس المراد العصمة من القتل أو السم أو الأذى؛ لأن القرآن الكريم يخبر عن قتل أنبياء وعن احتمال قتل النبي وعن الأذى الذي وجده ...الخ؛ إنما يخبر الله بأنه سيعصم رسوله من أن يكذبه المسلمون أو يتهمونه حتى وإن أبطن بعضهم الكفر بذلك البلاغ؛ ولذلك الله ختم الآية بقوله (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [المائدة: 67]

هذه نهاية الآية التي تخبر أن بعض الناس؛ وإن كفر بالبلاغ باطناً؛ إلا أن الله سيعصم رسوله من إظهار هؤلاء (الكافرين بهذا البلاغ) أن يظهروا هذا الكفر في شكل تكذيب أو اتهام، أي لن تكون هناك معارضة في صدقه. فالناس في الآية ناس مخصوصون؛ وفي أمر خاص نزل في آخر النبوة، وقد ورد في القرآن الناس بالمعنى الخاص كثيراً؛ مثل آية (الذين قال لهم الناس..)؛ وعلى هذا؛ فلا يصح الاستدلال بهذه الآية على أن النبي لا يمكن أن يقتل ولا أن يُسم لأن الله قد أخبر أنه سيعصمه من الناس؛ موضوع العصمة مختلف. فلذلك؛ أجمع المسلمون تقريباً على أن النبي مات مسموماً؛ فأين العصمة (الجسدية) التي يقولون؟ وإنما العصمة من أن يكذبه المسلمون أو يتهمونه, ولذلك؛ يروي  البخاري في صحيح البخاري (6/ 9) إخبار النبي عن موته بالسم (فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمّ)؛ وهنا يجب أن يظهر الباحث العربي كما يفعل الباحث الغربي، ويقول: هذا الموضوع غير ممكن علمياً؛ فالسم لا يستمر هذه المدة الطويلة، هو سم جديد.

وآخر الأسئلة: من الذي اغتال الرسول بالسم؟ من هو صاحب السم الجديد؟ ولماذا تم إخفاؤه؟ وما ضرر الجهل به؟ وما أثر ذلك على مسيرة الدين كله؟.. إلخ

هذه الأسئلة الأخيرة لا يطرحها المثقف العربي؛ ولو كان النبي أوروبياً لطرحها المثقف الغربي وأنتج فيها مئات الكتب والأفلام.. حدث مفصلي كبير.

--المثقف العربي واغتيال الرسول.. الجزء الخامس

سأستعرض سريعاً معظم الروايات التي تتناول هذه الآية بالتفسير ومناسبات النزول وأنقدها باختصار، ومجموعها تفيد بالهروب من شيء ما، وهو ذلك الأمر الذي يتوقف عليه الرسالة برمتها، (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)؛ فذلك؛ الأمر يشبه مفتاج البيت؛ فعندما تعطي رجلاً بيتاً ثم تقفله يحق له أن يكون - إذا كان المفتاح عندك - فكأنك لم تبعني البيت؛ أو مثال أكثر دلالة، عندما تبني مدرسة وتضع مناهج ثم لا تعين مديراً لها ولا هيئة تدريس وتترك ذلك لاختيار العامة، فيأتيك من يقول: كأنك لم تبن المدرسة ولم تؤلف مناهج ومقررات.

المقصود؛ أن في حياتنا العامة أمثلة توحي بأن بعض الأمور؛ إذا لم تتوفر؛ فكأنه لم يتوفر المشروع نفسه، وهذا يشبه (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)؛ وكانت الآية قد نزلت في آخر حياة النبي، وقد بلغ كل شيء تقريباً، إلا أن ذلك الأمر الأخير كأنه المفتاح، أو مدير المؤسسة، أو مدير المشروع الخ؛ ولذلك؛ أتت التفاسير الروائية مضطربة متناقضة محتارة؛ لأن الجميع يسأل (ما هو هذا الأمر)؛ فتحاول تلك الروايات أن تخترع شيئاً مقنعاً؛ لكنها تفشل؛ ومن المناسب استعراض المشهور منها، ثم نقده نقداً موضوعياً مختصراً، حتى يعرف الجميع أنها لم تفتنا تلك الروايات؛ لكنها بصراحة غير مقنعة.

وكثرة تلك الروايات وتناقضها يدل على أنها إما تتجنب عمداً ذكر الموضوع؛ أو أنها نتيجة ثقافة سابقة أرادت ضياع القضية؛ فضعنا مع ضياع الأمر؛ والعتب ليس على الفقيه العربي (فهو غالباً لا يستطيع حتى لو علم أن يشهد لله)؛ ولكن المثقف العربي يفكر خارج إطار الجماعة أو يفترض هكذا. فالمثقف الغربي - وهو قدورة المثقف العربي - يفكر وحده ويبحث وحده ويخرج بقراءة وحده، ولا يبالي بمن تبعه ممن أعرض عنه، وهكذا يجب أن يكون. لكن المثقف العربي ليس كالمثقف الغربي، فهو خليط من مجموعة أوادم؛ فله قلب ابن تيمية وعقل أرسطو وغاية ميكافيلي؛ لذلك كلامهم كثير ونفعهم قليل؛ وهذه أبرز الأحاديث والروايات في تفسير آية التبليغ والعصمة في المائدة(آية 67) مع النقد:

سأذكر الرواية بالمعنى مختصرة مع النقد مختصراً أيضاً.

1- الروايات التي تقول أن أبا طالب والعباس كانوا يحرسون النبي بمكة؛ ثم لما نزلت الآية قال انصرفوا ... وهذه روايات منكرة موضوعة، لأن الآية نزلت في آخر العهد المدني؛ لا في أول العهد المكي، ثم نحن نعلم أن الأذى ومحاولة اغتيال النبي استمرت إلى ليلة هجرته، وما كانت هجرته إلى المدينة إلا تجنباً للقتل، والقرآن يرد هذه الروايات (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)؛ فالرواية من روايات الالتفاف.

رواية عائشة: أن النبي كان يحرس حتى نزلت هذه الآية؛ فقال للحراس انصرفوا .. وهذا ضعيف والصواب أنه مرسل من رواية عبد الله بن شقيق فقط؛ وكان بصرياً ورأيه معروف ، وكان من أصحاب الحرص على الالتفاف الروائي، وفي سند الرواية الحارث بن عبيد الإيادي ضعيف جداً؛ فهذه الرواية كغيرها؛ أتت استجابة لثقافة سائدة تريد التستر على الأمر أو تدفع عن نفسها الحرج والتهمة؛ وكانت البصرة من البلدان الروائية التي يتملكها ذلك الهوى.

والحارث بن عبيد الضعيف هو الذي وصله عن عائشة، وإلا فهو موقوف على عبد الله بن شقيق (أحد نواصب البصرة)؛ قال ابن معين وغيره (كان يبغض علياً)؛ والبصرة كانت هكذا إلا من رحم الله؛ فروايات أهل البصرة حريصة للتماشي مع الواقع السائد المتستر على الأمر الذي تتوقف عليه الرسالة.

والغريب؛ أن المفسر القديم سعيد بن منصور (227هـ) لم يذكر في تفسيره إلا هذه الرواية الضعيفة من رواية الحارث بن عبيد عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن عائشة؛ وهي رواية ضعيفة جداً؛ وترك رواية ابن علية عن الجريري عن ابن شقيق موقفة عليه؛ وهو الصواب؛ وكان سعيد بن منصور من أهل الحديث الذين بدءوا ينتقون الروايات المرفوعة؛ وأن كانت ضعيفة على الروايات المرسلة القوية، لإحداث ردة فعل (شرعية) ضد أهل الرأي.

الرواية الثالثة رواية عائشة في صحيح البخاري (4/ 1686) قالت : من حدثك أن محمدا صلى الله عليه و سلم كتم شيئا مما أنزل عليه فقد كذب؛ والله يقول { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك } اهـ

وقول عائشة هنا صحيح، لم يكتم النبي شيئاً؛ ولكن ليس في الحديث جواب على ذلك الأمر ما هو؟

الرواية الخامسة: رواية محمد بن كعب القرظي أن النبي اتخذ حرساً؛ فلما نزلت الآية طردهم، وهذا ضعيف؛ محمد بن كعب القرظي تابعي مات سنم 118هـ ولم يسند، إضافة أنه من المتحملين للأخبار الشائعة دون تحقيق.

الرواية السادسة: رواية ابن عباس ؛وفيها عكرمة مولاه كذبه أكثرهم، وكان ناصبياً كعبد الله بن شقيق، والنواصب من أكثر الفرق اهتماماً بكتم ذلك الأمر، وكانوا دولة قوية صارمة.

السابعة: من رواية أبي هريرة بأن النبي كان تحت شجرة - كأنهم في غزوة - وأتاه أعرابي وأراد قتله وقال من يعصمك مني قال الله، فنزلت الآية ؛ وهذا الخبر ضعيف، ولم يكن هناك غزوة بعد نزول الآية، نزلت أيام حجة الوداع وبعدها إلى وفاة النبي، سواء نزلت دفعة واحدة أو مفرقة.

هذه معظم الروايات الالتفافية؛ وقد تكررت كثيراً في كتب الحديث، والمكررة ضعّفها الهيثمي كلها في مجمع الزوائد (7/ 18)؛ رغم تساهله في هذه الأمور والغريب؛ أن أهل الحديث؛ رغم تضعيف أكثرهم للرواة واتهامهم لكثير من رواة (التشتيت)؛ إما بالضعف أو بغض علي أو غير ذلك، إلا أنهم يعتمدونها متجاهلين أمراً مهماً؛ وهو أن هذه الآية نزلت في آخر عهد النبي؛ وفي أمر تتوقف عليه الرسالة؛ ولو كان المراد التبليغ العام فقد حصل من قبل؛ وليس في سورة المائدة أمراً أهم من بيان الوحدانية والعبودية لله ونبذ الشرك، وهذا قد بينه الرسول في أوائل الدعوة، لابد من أمر يقود هذا كله.

وفي ظني أن استجابة الرواة للثقافة السائدة في العهد الأموي، كانت السبب في كثرة الروايات الالتفافية رغم ضعفها، وأهل الحديث يهملون الأثر السياسي والمذهبي على شهرة أحاديث وانطفاء أخرى؛ وعلى توثيق ضعفاء وتضعيف ثقات؛ وهكذا ؛ فالأثر السياسي والمذهبي والعصبي كبير جداً على الرواية والحديث ، وهذا ما يجب أن يعالجه المثقف العربي لا الفقيه. لأن الفقيه من طبيعته وتشكليه الثقافي لا يدرك الآثار الخارجية على الحديث. فأهل الحديث فئة متخصصة في الإسناد، وقراءتها بعيداً عن الأثار السياسية الضاغطة، وهذه استجابة للسياسة من زاوية أخرى لو فقهوا.

وبقيت روايات أخرى كأنها الأقرب إلى التصريح بالأمر، ولمن رواتها واجهوا تكذيباً واتهاماً من الثقافة السائدة، فالثقافة السائدة طاردة لكل ما خالفها؛ حتى وإن كانت أقرب إلى تدبر الآية وزمنها وتعظيمها ومعنى العصمة فيها ...الخ؛ فهذا الأمر يعالجه المثقف لا الفقيه.

المثقف العربي تخلى عن مسؤوليته، وتبع الفقيه، هذا إذا حددناه بالمثقف المعاصر، وإذا أخرجنا منه الشعراء المتقدمين، الذين كان بعضهم يصرح.

هل بقيت روايات أخرى هي الأقرب إلى ذكر الأمر الذي أمر الله رسوله بتبليغه؛ وهل يتوقف عليه فعلاً تبليغ الرسالة؟

الجواب: نعم، ولكنها تعرضت ورواتها لحرب شرسة من التيار السائد الذي يمثله الفقيه والمحدث، وكانت حربهم لتلك الأحاديث ورواتها مبنية على الثقافة السائدة التي تجعل الآية نزلت في العهد المكي، ومرة في أوائل العهد المدني، ومرة تحت شجرة، ومرة في قبة، الخ؛ المهم؛ أنهم يعتمدون هذا التناقض في الرد. ومثلما اضطرب التيار السائد في مناسبة نزول هذه الآية، اضطربوا في سم النبي أيضاً، وأتوا بروايات كثيرة أنه مات من شاة خيبر كما تقدم. والتيار السائد قوي جداً بالكثرة والجرأة وحضن السلطة، وليس قوياً بالبرهان والدليل؛ لذلك؛ يستطيع تضعيف الثقات وتوثيق الضعفاء بسهولة.

المثقف العربي يخشى مخالفة السائد إلا في الأمر البعيد؛ أما في الأمر القريب؛ كالتساؤل حول حكم فقهي أو عقائدي فلا يجرؤ على المنافسة؛ بمعنى؛ قد يجرؤ على اتهام النبي أو الإلحاد ..الخ؛ ولا يجرؤ على اتهام السائد بأنه أخفى أو التف أو شتت أو استجاب أو غفل .الخ؛ فهذا يكلفه كثيراً.

أيضاً؛ يخشى المثقف العربي أن يوافق الآخر في فكرة وإن خالفه في البقية؛ المثقف العربي ابن بيئته، ويفضل الكفر على أن يتفق مع المختلف في فكرة. وهذا بالضبط ما أصاب القبيلة الأولى؛ تستطيع أن تؤمن بكل شيء إلا أن تتميز عنها قبيلة أخرى؛ وهذه صرح بها أبو جهل نفسه؛ وهو من أدق معاني الكفر؛ والغريب؛ بل المذهل؛ أن الآية ختمت بقوله تعالى ( إن الله لا يهدي القوم الكافرين)؛ فاللهم اعصمنا من الكفر وعلمنا الإنصاف والتسليم والتواضع.

وهذا المعنى للكفر (قرآنياً) يتمدد حتى يصل للمسلم؛ وهو ما أسميه (الكفر النسبي)، وهو مبين كثيراً في القرآن، لكن السائد يهمل ذكره حتى يطمئن. ولعل إهمال السائد لذلك ( الأمر المبلغ ) الذي يتوقف عليه (إبلاغ الرسالة) وما جعل المسلمين يهملون معاني القرآن الكبرى كلها تقريباً.

ربما لو تم كشف ذلك الأمر والاستجابة له، لكنا مسلمين كما يحب الله؛ ولكن التشويش والتكتم عليه أفسد الجميع؛ من معه ومن ضده؛ بالفعل وردة الفعل.

 

أقلام حرة

المصدر: أ-حسن فرحان المالكي

الثلاثاء 26 كانون الثاني , 2021 06:14
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
لثالث مرة خلال أقل من 24 ساعة.. سلاح الجو اليمني المسيّر يستهدف قاعدة الملك خالد الجوية بخميس مشيط.
استدرجها وأطلق عليها النار من رشاش ودهس جثتها 4 مرات .. قتل نوف السويط على يد زوجها يهز السعودية
طهران: الكيان الصهيوني يشكل خطراً كبيراً لأمن المنطقة والعالم بتطويره السري للأسلحة النووية
آل سعود يرددون ما يملى عليهم من اسيادهم فى تل ابيب والبيت الابيض.. السعودية تطالب باتفاق جديد يمنع إيران من امتلاك السلاح النووي وتدعو لمواجهة دولية لسياسة “الابتزاز”
تجاهل ان موالاة اعداء الله الصهاينة تًخرج من الملّة.. إمام الحرم المكي يزعم: السعودية تحكم بشرع الله والأعداء يُحاولون النيل منها ومن قادتها وعلمائها وأبنائها.
ظريف: اميركا تواصل سياسة "الضغوط القصوى" الفاشلة ضد ايران وسأعلن عن خطة الاجراء الايراني البنّاء قريبا
مردوع من قطاع غزة ويهدد ايران.. وزير الحرب الإسرائيلي يزعم تحديث خطط لتوجيه ضربة عسكرية لمواقع نووية إيرانية ويتحدث عن “خريطة سرية” لحزب الله
لماذا استهدفت السعودية الوهابية التعايش المذهبي بين اليمنيين؟ وما خطوات هذا الاستهداف؟؟ وما اثاره ونتائجه؟؟
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2021 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي