كتب اللواء أحمد عز الدين: تعويم القوارب الأمريكية الغارقة ..!
كتب اللواء أحمد عز الدين: تعويم القوارب الأمريكية الغارقة ..!

بقلم : أحمد عز الدين

لا أجد سندا موضوعيا واحدا لهذه الموجة العالية من التفاؤل الذي أخذت في غمر الشطآن العربية، ببروز مواقف متغيرة للإدارة الأمريكية تجاه أوضاع الإقليم بشكل عام، وتجاه القضية الفلسطينية بشكل خاص، فما أحسبه أن السيد بايدن وإدارته ما يزالان عند الخطوط الأساسية الأولى لآخر وثيقة صدرت باسم الأمن القومي الأمريكي، وعند موروث كامل تنفسته كافة الإدارات الأمريكية السابقة .

ومن المؤكد أن بايدن ليس بوش الأبن، لكن المدهش أن تصريحات الأول تكاد أن تتطابق مع تصريحات الثاني، قبيل الفتح الإستراتيجي لضرب العراق، وكأنهما قد صدرا من آلة كاتبة واحدة، سواء عن " تأييد قيام دولة فلسطينية " أو عن "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها " بل إن الثاني كان يتحدث بوضوح عن تجميد الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية .

الثابت أنه في شهر فبراير 2003، قدمت أمريكا تلميحات لدول عربية بأنه لم يعد أمامها سوى الاندفاع لعمل عسكري ضد العراق، مصحوبة بطلبات عن تخفيض مستوى المعارضة العربية المعلنة، وعن احتواء الرأي العام المناهض لهذه الحرب، وكان ذلك مشفوعا بوعد أمريكي واضح وقاطع بأن أمريكا ستتوجه فور انتهاء عملية غزو العراق، إلى جهد رئيسي على صعيد القضية الفلسطينية للوصول إلى حل يتضمن قيام دولة فلسطينية، بل لقد حدد الأمريكان سقفا زمنيا لذلك وهو آخر شهر مايو 2003، مع فترة سماح إضافية كان أمدها شهرا واحدا .

لقد كان هناك من صدّق ذلك، واعتبره وعدا موثوقا، وحين انتهى التدمير الإبداعي للعراق، وتمددت الشهور، وانزاح الموعد بعيدا، قررت الدول الرئيسية التي تلقت الوعد، أن توفد أحد وزراء خارجيتها إلى واشنطن للسؤال عن عدم تنفيذ الوعد بحل القضية الفلسطينية، ووقع الاختيار على أحد وزراء خارجية دولة خليجية بحكم خبرته وعلاقته بالإدارة الأمريكية، وحين طرح الوزير السؤال في قلب البيت الابيض، تلقى إجابة صادمة، كان مضمونها " هل تظنون أن العراق قد هُزم وحده، إن الدول العربية مجتمعة قد هُزمت معه ".

لقد بدأت موجة التفاؤل في الصعود مصاحبة لتصريحات "بلينكن" عن حل الدولتين، وهو حل ظل لغزا مغلقا على جانب، وبحرا مفتوحا للسباحة الحرة بغير شطآن على جانب آخر، وعلى امتداد عقود، ثم ارتفعت موجة التفاؤل بعد تحركات واتصالات أمريكية مكثفة ورفيعة المستوى، أثناء وبعد حرب الصواريخ التي طالت تل أبيب، وأغلب المدن الإسرائيلية، والتي تلت وتزامنت مع حرائق غضب وصدامات عنيفة، كان قلبها داخل الخط الأخضر، ورجعها القوي في الضفة الغربية، أما صداها الواسع، فقد تحول إلى شرار قابل لإشعال ملايين العرب في تخوم فلسطين وما حولها وما بعدها، وكان ثقل التحرك الأمريكي مكافئا تماما لأعراض التصدّع الكبير، الذي لحق بنظرية الأمن الإسرائيلية، والتي تغيرت صورتها العامة من حائط صد غير قابل للاختراق، إلى مصفاة بها كثير من الثقوب، ومن يد حديدية قادرة على إنزال عقاب قاهر ورادع، إلى يد حديدية قادرة على إنزال عقاب لا هو بالقاهر تماما ولا هو بالرادع كليا.

أما هدف التحرك الأمريكي وغايته الكبرى، بكل طاقة دفعه، فهو الوصول إلى تهدئة ودفع هذه التهدئة إلى أقصى مساحة زمنية ممكنة، ثم عزل الحالة الفلسطينية المستجدة، عن الحالة الإقليمية العامة، ثم تفتيت الحالة الفلسطينية وعزل عناصرها الرئيسية عن بعضها .

لقد تم ضبط إسرائيل في حالة أقرب إلى الانكشاف الإستراتيجي، ولا أريد أن استخدم تعبيرا آخر، استخدمه وزير حرب إسرائيلي أسبق، فقد وضع في سياق تقديره لما حدث تعبيرا محددا هو " كشف العورة "، لذلك فإنني اعتقد أن المطلوب أمريكيا الآن، ليس أكثر من قطع الدائرة الكهربائية، أو إيقاف عمل نظرية الحث الكهرومغناطيسية، بين القدس وغزة، وبينهما وبين الضفة الغربية، وبينهم جميعا وبين الدوائر الشعبية الساخنة في محيط عربي وإسلامي يمتد، طولا وعرضا وعمقا، ريثما يتم ترميم ما تهدم من حوائط نظرية الردع الإسرائيلية، وتغطية ما انكشف منها، أما الوعود المتكررة حول حل القضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا الإقليمية الأخرى، فهي لا تشكل كوب عصير الليمون الموضوع على المائدة، وإنما بعض الشموع التي تزينها .

إن ذلك لا يعني، أن مصر حين تحركت في اتجاه وقف إطلاق النار، وما بعد وقف إطلاق النار، قد لعبت دورا لا يتطابق مع المصالح الفلسطينية .

لقد كان لدى مصر ما تتقدم به الصفوف دون غيرها، بغير شك، ولهذا كان التواصل معها اضطرارا لا اختيارا، فضلا عن أنها رأت في اللحظة الراهنة شلالا من الضوء الفلسطيني، يضئ عمق السرداب الذي احتجزت فيه القضية الفلسطينية، وقد ظل سعيها من البداية إلى النهاية هو محاولة إخراجها من هذا السرداب، ووضعها تحت شمس الحقيقة والواقع، مثلما كان سعيها حثيثا، في مسألة وقف إطلاق النار، أن يكون قرار القبول من جانبيه بغير شروط، تعبيرا عن اعتراف بتوازن ما في نتائج عمليات المواجهة العسكرية، أما مسألة الهدنة وسقفها فهي في الرؤية المصرية موصولة بشروط مفتوحة على قلب القضية الفلسطينية لا على أطرافها فحسب، ومصر بدورها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى شهادة من أحد، كما أنها انتدبت نفسها لأداء دور قومي هي صاحبته وقوة دفعه، ورصيده المتجدد، ومخزونه الطبيعي .

لقد قلنا وكررنا مرارا، أن لحظة الحقيقة في الإقليم ليست " لحظة الخليج " كما أدعى بعض الذين صنعوا أحلاما من الرمل، أكبر من رؤوسهم، فمصر ثابتة في بيئة مهتزة، وراسخة في بيئة متصدعة، كما أن قيادة الإقليم ليست سلعة معروضة في بورصات البنوك أو دكاكين الأسواق المفتوحة .

لك أن تلاحظ أن أكثر ما انتشى به نتنياهو في حضور بلينكن هو ترديد آخر تصريح للسيد بايدن، وهو تصريح للأسف نشرته الصحف العربية وبثته أكثر تليفزيوناتها ناقصا، فقد تم بتر كلمتين اثنتين منه، أما التصريح فقد كان نصه " إن الحرب لن تتوقف إلا إذا اعترف الشرق الأوسط بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية " وأما الكلمتان اللتان تم بترهما من التصريح فهما " كدولة يهودية "، اي أن شرط توقف الحرب في الشرق الأوسط ليس متوقفا حتى على الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود ككيان سياسي، وإنما الاعتراف بحقها في الوجود كدولة يهودية، وهو أمر يشكل معادلة أمريكية جديدة في ميزان الحرب والسلام في الشرق الأوسط .

ماذا يعني مضمون هذا الاعتراف ؟!

إنه – أولا – لا ينسحب على اللحظة الراهنة، بمعنى أنه لا يطول فقط حقوق ثلاثة ملايين فلسطيني داخل الخط الأخضر كما قد يرى البعض، وإنما ينسحب إضافة لذلك على اتجاهين متضادين، الماضي والمستقبل .

وهو – ثانيا – في انسحابه على الماضي، يخلق إشكالية تاريخية وعقائدية ووطنية وقومية غير قابلة للحل، لأنه يعني الاعتراف بالحق التاريخي والعقائدي لإسرائيل وفق العقيدة الصهيونية في كافة الأراضي العربية، التي احتلتها بالقوة المسلحة باعتبارها تمثل موروثا تاريخيا شرعيا لها، وهو ما يعني ليس إضفاء مشروعية سياسية على إسرائيل كأمر واقع، وإنما إضفاء مشروعية تاريخية من منظور العقيدة الصهيونية على وجودها .

إن ذلك معناه باختصار، الاعتراف بأن كافة صور العدوان والحروب التي خاضتها إسرائيل ضد الفلسطينيين والعرب اتسمت بالشرعية، لأنها كانت حروب تحرير لتراب تمتلكه وفق العقيدة الصهيونية، وأن كافة الحروب العربية في مواجهة ذلك لم تكن حروبا مشروعة، وإنما كانت عدوانا غاشمة في مواجهة حقوق مشروعة لطرف آخر .

دعك حتى من أن ذلك يعني إسقاط الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولكنه يعني أن كل حروبنا لصد عدوان أو لتحرير أرض، كانت باطلة، وأن كل شهدائنا، كانوا ضحايا لهذا الباطل، وأن شعلة المجد المتقدة لجيشنا وأبطالنا، وسواهم من المحاربين الذين تنكبوا طريق الحق والحرية يتحتم أن تنطفئ .

وهو – ثالثا – في اتجاه انسحابه على المستقبل يضفي مشروعية جديدة من المشروعية المختلقة السابقة على اي تمدد أو توسع إسرائيلي في أي أرض عربية وفق المفهوم نفسه والاعتراف ذاته .

وهو – رابعا – يعيد ربط جسم التسوية في المنطقة، بما أجهزت عليه المتغيرات العاصفة داخل فلسطين التاريخية، وفي مقدمتها مشروع الإبراهيمية الجديدة المختلقة وصفقة القرن، وما بينهما من حفر مفتوحة

أخشى أن أقول أنه إذا انتهت الوقائع التي ساقت الأمريكيين كرهاً إلى طلب النجدة، فلن تكون هناك وعود قابلة للتحقق، لذلك إذا لم يكن قلب القضية الفلسطينية هو القاطرة الأساسية التي تشد اللحظة الراهنة بالقوة إلى الأمام، فلن نعدم بعد شهور أو سنوات وزيرا عربيا يطرح في البيت الأبيض سؤالا حول الوعود الأمريكية التي لم تتحقق، وأنه سيتلقى إجابة على شاكلة ما تلقاه، وزير عربي آخر بعد تدمير العراق .

أقلام حرة

المصدر: أحمد عزالدين

الأربعاء 09 حزيران , 2021 02:25
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأسواق المالية تحاصر حزب الله الذي يهدد نظام “سايكس-بيكو” في “إسرائيل” ودولة لبنان الكبير
كتب شارل أبي نادر: تفجيرات الفتنة في العراق تتجدد.. ماذا يريد الأميركيون؟
كتب أحمد عز الدين: على ضفاف يوليو 1952
كتب زيد عمر النابلسي: ما كان سيحدث لو أن الصيدة لم تفلت كما قال حمد بن جاسم بلسانه؟
لبنان يشدّ الأحزمة.. “حدث كبير يخرق الحصار الأميركي”
دوافعُ النخوةِ الأمريكيةِ لإنقاذِ السلطةِ الفلسطينيةِ
كتب نارام سرجون: درس عزمي بشارة لم يُنس بعد ياحراس النصر.. ثعبان الكنيست والثعابين كثير ..
قراءة متعمقة في خطاب الرئيس الأسد.. ما هي النقاط الست الأبرز؟ ولماذا التأكيد على البعدين العربي والفلسطيني والتفريق بين العرب العاربة والمستعربة؟ وهل بدأت المقاومة الشعبية المسلحة للاحتلال الأمريكي في شرق الفرات رسميّا؟
هل نجحت الإستراتيجية الأمريكية ”التآكل والإنهاك البطيء”؟
كتب د. مصطفى يوسف اللداوي: التكنولوجيا الإسرائيليةُ الأمنيةُ تُطبعُ الأسواقَ العربيةَ.
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2021 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي