الأسواق المالية تحاصر حزب الله الذي يهدد نظام “سايكس-بيكو” في “إسرائيل” ودولة لبنان الكبير
الأسواق المالية تحاصر حزب الله الذي يهدد نظام “سايكس-بيكو” في “إسرائيل” ودولة لبنان الكبير

د. فيصل جلول

تجمع مصادر مختلفة على أن معاناة اللبنانيين الراهنة ناجمة عن فساد الحكام، ما يوحي بأنهم ما كانوا فَسَدةَ من قبل ودليل القول ان بلادهم ما كانت على شفير الانهيار كما هي اليوم. تحتاج العلاقة السببية بين ” شفير الانهيار” اللبناني والفساد الى وصف مفارق يمكن اختزاله بالقول: كان الحكام من قبل فسدة وما كانت اكفهم نظيفة لكن من دون ان تصل بلادهم الى ” حافة الهاوية ” وفي ذلك تفصيل جدير بالتوقف عنده فلربما حمل لنا تفسيرا مفيدا للعاصفة التي تضرب ” بلاد الأرز ” في هذه الأيام.

الثابت عندي ان الفساد في لبنان هو صنيعة نظام الحكم الذي يعيد تشكيل نفسه من خلال علاقات الفساد التي يرعاها في حركة جدلية هي في أساس تكوينه. هذا الاستنتاج استعيره من بعثة ” ارفد” التي كلفها الرئيس الراحل فؤاد شهاب في ستينات القرن الماضي بأجراء تقييم للاقتصاد والحكم في لبنان ووضع أسس لإصلاحه وانقاذه من الانهيار.

عبرت البعثة عن دهشتها إزاء بقاء النظام الفاسد صامدا حوالي عقدين من الزمن بعد استقلال لبنان عن فرنسا (1946 ) مستغربة طرق عمله، واقترحت خطة تنموية لمكافحة الفساد وإصلاح الادارة تعذر تطبيقها ولم يسمح لراعيها الاصلاحي الرئيس شهاب ان يحكم لولاية جديدة. هكذا انتصر الفساد على الإصلاح في ستينات القرن الماضي وسيمهد هذا الانتصار الطريق امام الحرب الاهلية 1975 التي سيقودها خصوم شهاب الموارنة ( كميل شمعون وريمون اده وبيار الجميل) من الجهة المسيحية ما خلا  الراحل ريمون اده الذي اسقط شهاب وخرج من الحرب مبكرا.

الفساد اللبناني يؤهل طبقة سياسية كان الجنرال فؤاد شهاب يسمي أصحابها ” اكلة الجبنة ” وينتشر بمعرفة كل اللبنانيين الذي يشاركون فيه علنا بوصفه “شطارة” وذلك ابتداء من اعلى الهرم الى ادنى المراتب الاجتماعية. اذكر تصريحا لرئيس وزراء لبناني اعتلى المنصب للمرة الأولى كان يردد امام مناصريه ” صرلنا ناطرين سنين طويلة حتى ناكل هاللقمة ولن نسمح لاحد بحرماننا منها “. نعرف ايضا رواية الرئيس لحود عن رشاوى الرئيس الحريري للرئيس الراحل الياس الهراوي وقائد الجيش وله شخصيا من بعد. ونعرف طرق السيطرة على أسواق بيروت التجارية وإعادة تعمير وسط العاصمة و ” مشروع اليسار” فضلا عن صناديق الدولة التنموية وهي معابر للفساد المنظم. نذكر أيضا وأيضا شراء الأصوات في الانتخابات وهي تتم بعلم البائع والشاري وصولا الى ” تزفيت ” الطرقات ودفع الرشاوي للحصول على مناقصات و إفادات رسمية. بل يمكن القول ان الفساد تحول الى ثقافة نقف على اثرها في نقاشات الناس اليومية كأن يلوم صديق صديقه ” صر لك دركي عشر سنين وبعد ما علمت مصاري؟ لشو حياتك ”  او مزارع يقول لجاره ” يمكن ان تبني غرفتين للسكن مجانا في حقلك. يكفي ان تقدم طلبا لوزارة الزراعة بأنك تحتاج  جمع مياه الامطار للري في خزان كبير فتدفع لك الوزارة كلفة البناء “. وهناك شهادات لا تحصى عن رشى محامين وإعلاميين ومهندسين وقضاة وجباة ضرائب ورجال شرطة…الخ.

 ولمن يرغب في المزيد يمكنه الاطلاع على كتاب النائب السابق نجاح واكيم ( الايادي السود ) وفيه تفاصيل مذهلة عن فساد حكم الرئيس رفيق الحريري واخرين كثر لم يجرؤ أي منهم على التقدم بدعوى قدح وذم ضد صاحب الكتاب وهذا يعني ان نظام الفساد يعرفه اللبنانيون بكافة فئاتهم وينخرطون فيه بمعظمهم ليس بوصفه فسادا وانما طريقة في حل مشاكلهم. بكلام اخر الفساد هو النظام اللبناني منذ سنواته التأسيسية الأولى وثقافة الفساد منتشرة على نطاق واسع وسط اللبنانيين من كل الفئات والطوائف.

يستدعي ما سبق سؤالا كبيرا : ما دام الفساد في لبنان نظاما لماذا بقي هذا النظام صامدا الى أواخر العام 2019 حين بدأ بالانهيار ولماذا كان يحظى بثقة الأسواق الدولية؟

الجواب عن السؤال يكمن في السياسة وليس في الاقتصاد حصرا. كان لبنان قبل الحرب الاهلية سوقا ماليا مهما للعالم العربي ولقسم من افريقيا، تأتيه الثروات بعد الانقلابات العسكرية او الطفرة النفطية فصار للعرب بعد الحرب اللبنانية(1975 ) مصارفهم وأسواقهم الخاصة الامر الذي أدى الى تراجع السوق اللبنانية وضمورها. وكان لبنان منصة لتأهيل النخب العربية فصار ل”عرب الثروة”  منصاتهم وبالتالي تراجعت وظيفة مهمة أخرى من وظائف لبنان. وكان لبنان منصة للأعلام والثقافة الغربية فصار لعرب  الخليج اعلامهم وجامعاتهم ( فرنسية وامريكية وبريطانية بات لها فروع في قطر ودبي وأبو ظبي ). لقد فقد لبنان جزءا كبير من دور الوسيط الذي كان يلعبه بين الغرب والشرق وفقد معه اقتصاد الوسيط أي الوظيفة الأهم في تكوينه. وأخيرا كان لبنان جارا ضعيفا لإسرائيل فصار أقوى جيرانها.

كانت السوق الرأسمالية تتفاعل بطريقة ميسرة مع لبنان ” الوسيط ” لأسباب اقتصادية وسياسية. وظلت تتفاعل معه من بعد لأسباب سياسية بلغت ذروتها في العام 1992. قبل هذا التاريخ بسنوات قليلة بدأت بوادر ازمة الليرة اللبنانية ترتسم في عهد امين الجميل وبالتحديد منذ العام 1985 فقد فشل مشروعه للسلام مع إسرائيل وسقطت معظم نتائج الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 وبدا ان النظام “الحليف”  الذي كانت إسرائيل تراهن عليه في بلاد الأرز يتداعى و بالمقابل تتصاعد مقاومة فعالة ضد الاحتلال الإسرائيلي. في هذا الوقت برز الرئيس رفيق الحريري كلاعب أساسي في الحياة السياسية والاقتصادية اللبنانية.

راهن الحريري على مفاوضات السلام مع إسرائيل في مدريد التي كانت سوريا طرفا أساسيا فيها واقنع الاسواق العالمية بتمويل خطته لتأهيل لبنان لكي يلعب دورا متقدما في السلام ويستقبل نتائجه الإيجابية على اقتصاد وحياة اللبنانيين. وكان الحريري قد مهد لهذه الغاية ببذل استثمارات كبيرة في إعادة تأهيل النخب السنية وبعض المسيحية عبر المنح الدراسية في الخارج والتي تقدر بعشرات الالاف وإعادة بناء الأسواق التجارية بطريقة مفيدة لعائلات  وأسر ذات غالبية سنية اجتمعت حوله وما انفكت تتسع حتى اغتياله.

معلوم ان الطائفة السنية خاضت الحربين الاهليتين ( 1958 و1975 ) دفاعا عن عروبة لبنان وشكلت حاضنة واسعة للمقاومة الفلسطينية وقد أدى خروج منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982 الى خلق فراغ في هذه الطائفة تمكن الحريري من ملئه بسرعة فائقة وذلك في سياق تأهيلها من اجل  لعب دور جديد عبر بنية تحتية جذابة ورعاية خليجية مستجدة وحماية الجناح اللبناني في النظام السوري( خدام ـــــ كنعان ـــــــــ الشهابي ).

ستعطل الصراعات السياسية في إسرائيل خطط الحريري بعد اغتيال اسحق رابين عام 1995 وتسلم حزب الليكود مقاليد الحكم وبالتالي طي صفحة السلام وفتح صفحة المجابهة. في هذا الوقت تصاعدت المقاومة اللبنانية وباتت فعالة الى حد ان إسرائيل شنت حربا على لبنان عام 1996 واضطرت لإيقافها بتوقيع اتفاقية نيسان ــــــ ابريل التي اعترفت للمرة الأولى بشرعية المقاومة وبكونها طرفا اساسيا في الحرب والسلام مع الدولة العبرية.

من نافل القول ان الاقتصاد اللبناني كان في عهدة الرئيس الحريري الذي كان مازال يراهن على السلام الى ما قبل اغتياله عام 2005 بزمن قصير. فقد حاول تسويق مبادرة الملك عبدالله للسلام في القمة العربية في بيروت عام 2002 والتي انطوت على الغاء “حق العودة” للفلسطينيين بيد ان سوريا والرئيس لحود اجهض المحاولة وجرد المبادرة من اية جاذبية من طرف إسرائيل التي اعتبرت انها “لا تستحق الحبر الذي كتب فيها”.

في هذا الوقت كانت المؤسسات الدولية مازالت مستعدة لدعم خطط الحريري وتمويل النظام اللبناني الفاسد وعبره الكتل التي تراهن على اخراج لبنان من الصراع مع إسرائيل والمقدرة حينذاك بأكثر من نصف اللبنانيين.

لن يؤدي اغتيال الحريري الى وقف التمويل الدولي للنظام الفاسد عبر سلاسل ( باريس 1 2 3 ) وصولا الى ” سيدر” بل ستتدخل مصادر تمويل إضافية بعد حرب العام 2006 من اجل إعادة اعمار ما دمرته الة الحرب الصهيونية ومن اجل تأسيس بنية تحتية إعلامية وثقافية لشيطنة المقاومة اللبنانية  وعزلها وستبذل من خلال لبنان استثمارات كبيرة في سياق الحملة الدولية على سوريا.

كانت هزيمة الدول الغربية والخليجية في الحرب على سوريا مدوية ومعها اخفاق التيار اللبناني الذي يراهن على السلام مع إسرائيل. بالمقابل خرج حزب الله من الحرب السورية لاعبا إقليميا سيمتد نفوذه من لبنان الى فلسطين وسوريا والعراق واليمن.

لقد كان واضحا ان ثلاثية حزب الله ” الجيش والشعب والمقاومة ” ما كانت تروق للأسواق العالمية التي تغدق بالأصل الأموال على لبنان حتى يقف الجيش والشعب اللبناني ضد المقاومة. وكان من المنتظر ان تؤدي الحرب على سوريا هذا الغرض لكن نتائجها جاءت معاكسة بل يمكن القول ان وصول الرئيس ميشال عون الى رئاسة الجمهورية ونجاح جماعة 8 اذار ـــــــ مارس في الانتخابات النيابية الاخيرة كان واحدا من نتائج تلك الحرب الامر الذي اثار حفيظة الاسواق المالية العالمية وشركائها اللبنانيين الذين تعرضوا لضغوط مكشوفة لخوض معارك مفتوحة ضد المقاومة وحلفائها في لبنان. كان الوجه الأبرز لهذه الضغوط، احتجاز رئيس الوزراء اللبناني في الرياض وحمله مكرها على تقديم استقالته بوصفها ردا على دور حزب الله في حرب اليمن و مدخلا لمعركة تحت شعار الجيش والشعب اللبناني ضد المقاومة.

ما من شك في ان ضرب النظام المالي اللبناني الذي فقد القسم الأكبر من وظائفه كما راينا من قبل،  يندرج في سياق الضغوط المشار اليها وبالتالي حمل المتضررين على الانقلاب على المقاومة من جهة ومن جهة ثانية حرمان النظام السوري المنتصر من ودائع السوريين في المصارف اللبنانية ومن السماح لدمشق بان تتنفس عبر الرئة الاقتصادية والنافذة اللبنانية المفتوحة على أسواق العالم . وبذلك يكون أعداء المحور قد حرموا ايران وسوريا والمقاومة من وسائل مهمة في  تفعيل انتصارهم وحملهم على خوض معارك دفاعية يطول معها تفعيل الانتصار ويصبح طعمه علقمي وسط الراي العام وصولا لعزل الشعب عن المقاومة وجعلها حمالة للفقر والبؤس والخراب.

ان الحديث الغربي عن حكومة لبنانية إصلاحية لا يراد منه ضرب الفساد والفاسدين في لبنان وصولا الى حكم وطني نظيف لان الحكم النزيه والوطني لا يمكن ان يكون تابعا بل مناهضا للفساد المحلي والدولي وبالتالي الأقرب الى المقاومة من الفسدة وتجار المبادئ والاوطان.

ان المعنى الجوهري للحكومة التي يطالب بها ” المجتمع الدولي ” المزعوم هي تلك التي تضع خطة لتجريد المقاومة من سلاحها والانقضاض عليها من بعد بواسطة الجيش والقوة الدولية وإسرائيل. ولا معنى آخر للتصريحات المنهمرة على لبنان و” المنشغلة ” بمصير اللبنانيين الفقراء ذلك ان الأسواق المالية لا شفقة لديها ولا رحمة وهي تنهب ثروات الفقراء في كل مكان ولا تعبأ بمصيرهم. يكفي ان نلقي نظرة على 90 بالمئة من شعوب افريقيا وعلى قدر كبير من شعوب أمريكا اللاتينية واسيا لندرك ان الأسواق المالية مجردة من الاخلاق ولا مكان في ناموسها للعدالة الاجتماعية.

في لبنان لعبت الأسواق المالية اللعبة القديمة التي لعبتها بريطانيا في مصر عندما سيطرت على البلاد في القرن التاسع عشر عبر القروض المالية والاتفاقات الاقتصادية التي لا يحتاجها البلد حتى وصل الامر الى حمل المصريين على التقاضي امام محاكم بريطانية وصارت الحكومات المصرية تشكل في لندن وليس في القاهرة وتحول معظم افراد الشعب المصري الى حفاة لا يلوون على شيء في بلدهم الى ان انتفضوا عشية الثورة المصرية عام 1952 وحرقوا الحي الأوروبي في القاهرة رمز السيطرة والطغيان في بلادهم.

لقد تواطأت المؤسسات المالية الدولية مع النظام اللبناني الفاسد وغطت على الفوائد المرتفعة التي كانت المصارف اللبنانية تدفعها للمودعين حتى أصبحت تلك الفوائد هي الأصل في النظام المالي وصار بوسعها توجيه ضربة قاضية لهذا النظام ساعة تشاء وفي الظروف الملائمة. وهذا ما فعلته مع انتصار سوريا وتحول حزب الله الى لاعب إقليمي لا يعبأ بالحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو.

اليوم يعمل حزب الله ومن خلفه سوريا وايران دون صراخ وعنجهية على إعادة النظر في جيوبولتيك  المنطقة . انه الطرف الرادع لاسرائيل درة الاتفاقية المذكورة وهو الطرف الذي لا يمكن لدولة ” الجنرال غورو ” ان تتجاوزه وتستدمجه بشروطها.

كانت دولة لبنان الكبير تعتمد سياسة خارجية تجاه إسرائيل عنوانها ” قوة لبنان في ضعفه ” أي في عجزه المقصود و المرغوب عن مواجهة الدولة العبرية المحمية من الدول التي باركت نشؤ لبنان الكبير ووفرت له الحماية اللازمة أي جعلته قويا في احجامه المعلن والمنسق عن قتال الدولة العبرية. لقد ذهل اللبنانيون عام 1968 عندما دمر كوماندوس إسرائيلي 15 طائرة مدنية لبنانية دون ان يتعرض لطلقة رصاص واحدة بل شرب عناصر الكوماندوس القهوة في المطار وكأنهم في تل ابيب كما شربوا الشاي من بعد في مرجعيون عام 2006. هذا الوجه المتهافت من وجوه لبنان الكبير ما عاد متاحا وتمويله الدولي أيضا.

اليوم يقف لبنان في محطة تاريخية ومعه نظام سايكس بيكو والراجح انه لن يعود الى الوراء. لن يعود لبنان ” قويا بضعفه ” ولن تعود الطبقة السياسية اللبنانية تحكم باسم هذا الضعف ولن تقوى ثقافة الفساد على إعادة تدوير الاقتصاد اللبناني ” بانتظار تغيرات دولية وإقليمية ” تتيح الانقضاض على المقاومة. لقد تغيرت مسائل كثيرة في العالم العربي من دون ان تتمكن ” قوى التغيير” من فرض ارادتها و رسم أنظمتها واشكال وجودها وهذا ينطبق على لبنان اكثر من أي بلد اخر. يعيش لبنان اليوم لحظة تحاكي مقولة أنطونيو غرامشي الشهيرة ” العالم القديم إنتهى، والعالم الجديد لم يستقر بعد ومن بين العتمة والضوء تظهر كل الشياطين.”

كاتب واكاديمي لبناني

أقلام حرة

المصدر: د. فيصل جلول

الجمعة 23 تموز , 2021 11:10
التعريفات :
تابعنا على
أخبار ذات صلة
الأحدث
شاشة الواقع السعودي
من نحن
.
نبذة عن الموقع
.
إتصل بنا
.
شروط الاستخدام
© 2021 - الواقع السعودي. جميع الحقوق محفوظة.
تابعنا على مواقع التواصل الإجتماعي